لبنان وإيران نحو علاقة “دولة مقابل دولة”؟

لبنان وإيران نحو علاقة “دولة مقابل دولة”؟
لبنان وإيران نحو علاقة “دولة مقابل دولة”؟

كتب داود رمال في “نداء الوطن”:

لم يعد قرار الدولة اللبنانية القاضي بطرد السفير الإيراني محمد رضا الشيباني حدثًا دبلوماسيًا قابلا للاحتواء عبر الاتصالات الجانبية أو التسويات التقليدية، بل تحوّل إلى اختبار سياسي ودستوري يتجاوز شخص السفير ليطال طبيعة العلاقة اللبنانية – الإيرانية نفسها، وحدود السلطة داخل الدولة اللبنانية، والسؤال الأعمق المتصل بما إذا كان لبنان يتعامل مع الدول الخارجية من موقع الدولة صاحبة القرار، أم من موقع الساحة المفتوحة لتوازنات الخارج.

وفي القراءة الدستورية والمؤسساتية للقرار، فإن النقطة الأساسية التي يجب التوقف عندها تكمن في أن قرارًا من هذا النوع، متى صدر وفق الأصول القانونية، يصبح قرارًا صادرًا باسم الدولة اللبنانية، بكل ما يحمله ذلك من آثار سيادية وقانونية ودبلوماسية. وهذا التفصيل ليس شكليًا، لأن العلاقات الدولية لا تُدار بين أفراد أو حكومات، بل بين كيانات سيادية تتبادل الاعتراف والالتزامات وفق قواعد القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية.

من هذا المنطلق، فإن أي معالجة لاحقة للتوتر اللبناني – الإيراني لا يمكن أن تقوم على قاعدة تجاوز المؤسسات اللبنانية، أو إعادة تفسير القرار باعتباره قابلا للتعديل عبر الضغوط السياسية أو الاتصالات الرسمية وغير الرسمية، بل من خلال القنوات الرسمية بين دولتين. فحين يصبح القرار قرار دولة، فإن مراجعته أو تثبيته تخضع للآليات نفسها التي أنتجته.

وفي هذا السياق، لا تبدو خافية كثافة الاتصالات الإيرانية المباشرة وغير المباشرة الهادفة إلى احتواء القرار أو السعي إلى إعادة النظر فيه. وعلى المستوى المباشر، تعمل طهران على استخدام أدواتها الدبلوماسية والسياسية التقليدية لمحاولة منع تثبيت سابقة من هذا النوع في العلاقة مع لبنان، لما قد تحمله من دلالات تتجاوز الحالة الحالية إلى إعادة تعريف قواعد الاشتباك السياسي والدبلوماسي بين البلدين. أما على المستوى غير المباشر، فتبرز حركة حلفاء إيران في الداخل اللبناني عبر رفع مستوى الضغط السياسي، وتعطيل قنوات التواصل والحوار، وصولا إلى الدفع باتجاه ما يُطرح تحت عنوان “تصحيح قرار الطرد” أو التراجع عنه.

إلا أن الإشكالية هنا لا تتعلق بمضمون الضغوط، بقدر ما تتعلق بالسؤال حول المرجعية المختصة. فالمسألة، وفق منطق المؤسسات، لا تُحسم عبر رئاسة الجمهورية ولا عبر رئاسة الحكومة منفردتين، لأن الملف، بعد صدور القرار، يدخل في نطاق الصلاحيات الحكومية الجماعية. وبالتالي، فإن الجهة القادرة على اتخاذ القرار النهائي هي مجلس الوزراء، الذي يمتلك خيارين واضحين لا ثالث لهما: إما الإصرار على القرار والاستمرار في تنفيذه، خصوصًا مع اقتراب انتهاء صلاحية تأشيرة شيباني وما يترتب على ذلك من نتائج قانونية وإدارية، وإما العودة عنه بقرار رسمي جديد يستند إلى أسباب موجبة جديدة تؤدي إلى انتفاء الظروف التي استند إليها قرار الطرد أساسًا.

وفي المقابل، يبقى هناك مسار دبلوماسي آخر أكثر هدوءًا وأقل كلفة سياسيًا، يقوم على التزام شيباني بقرار المغادرة وتنفيذه ضمن الأصول المعتمدة، على أن تعمد وزارة الخارجية الإيرانية لاحقًا إلى إعادة تقديم أوراق اعتماد السفير نفسه أو ترشيح سفير جديد. وهذا المسار ليس استثنائيًا في العلاقات الدولية، بل يُستخدم غالبًا كآلية لاحتواء الأزمات من دون الوصول إلى القطيعة السياسية أو الدبلوماسية.

لكن خلف هذه المسارات الإجرائية يبرز البعد الأكثر عمقًا، وهو البعد السياسي المتعلق بطبيعة المقاربة الإيرانية للبنان. فالجدل الحقيقي لا يتمحور حول اسم السفير أو مصير قرار الطرد بحد ذاته، بل حول ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد انتقالا فعليًا إلى علاقة قائمة على الاعتراف المتبادل بالسيادة وحدود النفوذ، أو استمرارًا لمنطق يعتبر أن النفوذ السياسي والأمني يتيح تجاوز المؤسسات اللبنانية أو فرض الإيقاع عليها.

إن أي إعادة بناء للعلاقة اللبنانية – الإيرانية، إذا كان مقدرًا لها أن تستقر وتستمر، تبدو مرتبطة بإنتاج قواعد جديدة عنوانها التعامل مع لبنان بوصفه دولة ذات مؤسسات وقرار مستقل، لا مساحة نفوذ قابلة لإعادة تشكيل توازناتها وفق متطلبات الإقليم. وفي المقابل، يصبح على الدولة اللبنانية أن تثبت أن قراراتها السيادية، سواء اتفق اللبنانيون عليها أم اختلفوا، لا تُدار بمنطق التراجع تحت الضغط، بل بمنطق المؤسسات والقانون والمصلحة الوطنية.

وعند هذه النقطة تحديدًا، يتحول ملف السفير شيباني من أزمة دبلوماسية عادية إلى لحظة اختبار لمفهوم الدولة نفسه: هل يملك لبنان القدرة على تثبيت معادلة الدولة مقابل الدولة، أم أن توازنات الداخل ستعيد إنتاج نموذج التسويات الذي حكم علاقاته الخارجية لعقود؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق تفجير ذخائر في الناعمة – الشوف
التالى الحجار: لبنان لن يكون منصة لأي نشاط يهدد أمن الدول العربية