كتب سامر زريق في “نداء الوطن”:
“إذا رأيت نيوب الليث بارزة… فلا تظنن أن الليث يبتسم”. لم يكن المتنبي يتحدث عن دولة عميقة في هذا البيت الشعري، لكنه وصف حالها ومنطقها بدقة قبل ألف عام. فالسلطة حين تشعر أن أدواتها القديمة لم تعد تكفي، تكشف أنيابها. وهذا ما فعلته الدولة العميقة في لبنان في مشروع قانون العفو، حيث أظهرت بداية ابتسامة خدّاعة، وأوحت بأنها تعبّد طريقه، بينما كانت تستدرج مُعِدّيه وداعميه كي تُعمل أنيابها فيهم، وبوجه قانوني وتشريعي لا غبار عليه.
يوم الخميس، شهدت ساحة النجمة، معقل التشريع والدفاع عن حقوق الناس ومصالحهم، لحظة انكشاف أولى لأحد أنياب الدولة العميقة، التي اعتادت استخدام الأدوات القانونية والقضاء والأمن والإعلام لإعادة رسم حدود التوازنات السياسية والمذهبية. غير أن ما انتهت إليه الجلسة وجّه ضربة قوية إلى هيبة تلك المنظومة، وكسر أحد أنيابها، في مشهدية تاريخية تؤسس لانتزاع بقية الأنياب التي حكمت الحياة السياسية لعقود.
في الأيام القليلة المقبلة، ستسمعون الكثير من الضجيج والعيارات المذهبية وصرير الأسنان، لكن التفاصيل التقنية ليست هي الأهم، لأن كل شخص أو طرف سياسي لديه القدرة على إعادة ترتيبها ضمن حكاية تناسب أهدافه الدعائية، إنّما السياق هو الأكثر أهمية. ذلك أن فلسفة قانون العفو كانت مصمّمة لإعادة إنتاج نفوذ الدولة العميقة وإظهار بأسها.
موقف الرئيس نبيه بري السلبي من القانون، والحيل القانونية التي أُسقطت عليه، والمصمّمة لاستهداف “الهبة” السنية وتقويضها، بدءًا من الشارع، مرورًا بالنواب، وصولا إلى مقام رئاسة الحكومة، لا يمكن فصله عن ضغطه المستمر لتبنّي “الحل الإيراني”، ومساعيه المتواصلة لأن يكون شريكًا في الحكم والقرار، له اليد العليا التي تسمح له بفرض وصاية مبطنة على بعبدا والسراي الحكومي ومجلس الوزراء والتعيينات، وسواها من حلقات تنسجم ضمن رؤية سياسية موسّعة تحاول هضم التحولات الكبرى، وتكييف النظام معها بما يضمن استمرارية “حق الفيتو” في النظام السياسي.
ما أراد بري قوله عبر مسخ قانون العفو وضغطه لإقراره بصيغته الهجينة: لا قرار يمر إلا بتأشير مركز الوصاية، ولا توازن جديد يولد إذا كان ينتقص من “حق الفيتو”. وهنا بالضبط مكمن الضربة التي طالت هذه الشبكة ذات الشوكة، والتي احترفت عملية صناعة عدو داخلي.
في الحقبة التي أعقبت “اتفاق الطائف” حتى إقرار القرار 1559، كان التراند السياسي يقوم على “شيطنة” المسيحيين واضطهادهم، على اعتبار أنهم الطرف الذي خرج مهزومًا من الحرب الأهلية. وبعد أحداث “11 أيلول” وتبدّل التحالفات، انتقلت عملية “الشيطنة” إلى السنّة، حيث أُعيد تعريف هوية الطائفة السنية، وتقديمها في الخطاب السياسي والإعلامي على أنها حاضنة ولادة للإرهاب والقتل، بما يبرّر استباحة قرارها والتعامل معها بقسوة، لاعتبارها حالة أمنية وليست شريكًا وطنيًا أساسيًا.
لذلك، يمكن ملاحظة أنه كلما اقترب النقاش من معالجة قضية المعتقلين السنّة، تزداد وتيرة التسريبات الأمنية التي تتحدث عن اكتشاف “خلية إرهابية” أو “أمير جديد” أو “مخطط إرهابي خطير”. وهنا تبرز فلسفة عمل الدولة العميقة في “إنتاج الخوف” لإعادة تثبيت الصورة النمطية ذاتها، وخلق موانع استراتيجية تسوّغ حرمان هذه الفئة من العفو راهنًا، وحتى في المستقبل.
المفارقة الأكثر إثارة أن من يظهر تمسكًا بدماء العسكر، ومن كان سابقًا يعيّر المسيحيين بأن بشير الجميل أتى إلى الرئاسة على دبابة إسرائيلية، كان قائد ميليشيا أتى إلى السلطة على دبابة يمسك بلجامها حافظ الأسد، ويوجّهها لافتعال “حرب المخيمات” بهدف ضرب القضية الفلسطينية وتحويلها إلى ورقة مساومة في بازار سياسي مفتوح. بالتوازي، ثمة مرجعية سياسية ناشئة أرادت “تفخيخ” قانون العفو وتوظيفه كمنصة لإظهار قدرتها على وراثة أدوار سياسية تقليدية، ولا سيما “عمارة شلهوب”، حيث تسعى لأن تكون “صانعة رؤساء” وحاملة مفاتيح التشريع لوريث “عين التينة” المنتظر.
ما جرى هو تحوّل في موازين القوى يُبنى عليه، أفضى إلى انكسار أحد أنياب الدولة العميقة. وعندما يبدأ الناب الأول بالتصدّع، يصبح خلع البقية مسألة وقت… وشجاعة وإقدام. وتزامن عملية إسقاط قانون العفو المشوّه مع ذكرى الانقلاب الموءود في تركيا يشكّل صدفة تاريخية. فكما تصدّى الشعب التركي للدولة العميقة وانتصر لحريته وقراره، ثمة فرصة ثمينة لانتصار إرادة اللبنانيين على دولتهم العميقة التي هرمت، وآن أوان دفنها.



