من “الحشد” إلى “الحزب”: بتر الأذرع قبل الرأس

من “الحشد” إلى “الحزب”: بتر الأذرع قبل الرأس
من “الحشد” إلى “الحزب”: بتر الأذرع قبل الرأس

كتب ألان سركيس في “نداء الوطن”:

لم يعد الشرق الأوسط يقف عند حدود احتواء النفوذ الإيراني، بل يبدو أنه دخل مرحلة جديدة عنوانها تضييق الخناق على أذرع طهران والقضاء عليها، بعدما خلصت عواصم عربية وغربية إلى قناعة مفادها أن أي تسوية سياسية أو أمنية لن يُكتب لها النجاح ما دامت التنظيمات المسلحة قادرة على تجاوز سلطة الدول وفرض وقائع ميدانية بقوة السلاح.

ما شهدته الأيام الأخيرة وأبرزها في العراق من ضربات لـ”الحشد الشعبي” والميليشيات الموالية لايران يوحي بأن قواعد الاشتباك التي حكمت المنطقة طوال السنوات الماضية بدأت تتبدل، وأن مرحلة الرسائل السياسية تفسح المجال تدريجًا أمام ضغوط أكثر مباشرة، قد تختلف أدواتها من ساحة إلى أخرى، لكنها تصب جميعها في اتجاه واحد وهو ضرب نفوذ إيران الإقليمي.

وتوحي الضربات الأميركية والسعودية بأن القرار الإقليمي والدولي انتقل من سياسة الاحتواء إلى سياسة تضييق الخناق على الأذرع الإيرانية، في ظل اقتناع متزايد بأن استعادة الدول لقرارها السيادي باتت أولوية تتقدم على أي اعتبارات أخرى.

وكان العراق أول من تلقّى الرسالة. فالتصعيد الأخير عكس، بحسب قراءات سياسية، توافقًا عربيًا وأميركيًّا على عدم ترك الساحة العراقية رهينة نفوذ الفصائل الإيرانية المسلحة. وفي موازاة ذلك، رفعت واشنطن سقف خطابها، وكان لافتًا ما نُقل عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب من وصفه وكلاء إيران بأنهم “سرطان العالم” ينبغي اجتثاثه، في إشارة يرى مراقبون أنها تعكس توجهًا أميركيًّا أكثر تشددًا تجاه شبكة النفوذ الإيرانية في المنطقة.

ولا يقف لبنان خارج هذا المشهد، فالترابط بين لبنان والعراق تاريخي كما كان يقول الرئيس كميل شمعون. فبحسب أوساط سياسية تتابع الاتصالات الدولية، تتزايد الضغوط على الدولة اللبنانية لحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، باعتبار أن هذا الملف بات يشكل المدخل الإلزامي لأي دعم سياسي أو أمني أو اقتصادي. وترى هذه الأوساط أن استمرار الوضع القائم سيُبقي لبنان تحت وطأة الضغوط، مع بقاء احتمالات التصعيد قائمة إذا استمرّ التوتر على الجبهة الجنوبية.

وفي موازاة ذلك، تتجه الأنظار إلى سوريا. وعلمت “نداء الوطن” أن دمشق رفعت مستوى الجهوزية الأمنية والعسكرية تحسبًا لأي تطورات قد تفرضها التحولات الإقليمية. وينقل زوار العاصمة السورية أن الواقع الميداني أكثر تعقيدًا مما تعكسه الصورة الإعلامية، وأن الاستعدادات العسكرية والأمنية تأتي في إطار التحسب لمختلف السيناريوهات، في ظل استمرار التنسيق بين القوى الدولية والإقليمية الفاعلة على الساحة السورية. كما يتردد حديث عن تعزيزات وإجراءات عسكرية قرب الحدود اللبنانية – السورية، في إطار الاستعداد لأي تطور محتمل إذا ما اتجهت المنطقة نحو مزيد من التصعيد وكذلك نقل ألوية مقاتلة إلى المناطق الحدودية المتاخمة، في وقت يعزز “حزب الله” انتشاره العسكري في الجانب اللبناني من الحدود تحسبًا للأسوأ.

ولا ينفصل هذا المشهد عن الحراك الدبلوماسي المتعلق بالحدود اللبنانية – السورية، وهو ملف عاد إلى واجهة النقاش في أكثر من لقاء إقليمي، من بينها المحادثات اللبنانية – التركية، نظرًا إلى الدور الذي تؤديه أنقرة داخل الساحة السورية وتأثيرها في التوازنات الأمنية والعسكرية هناك.

في المقابل، ترى أوساط متابعة أن الرسائل الأميركية العلنية إلى المسؤولين اللبنانيين تركز على أولوية تعزيز سيادة الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها، باعتبار أن أي تقدم في هذا المسار قد يفتح الباب أمام معالجة ملفات أخرى، من تثبيت الاستقرار إلى استكمال الانسحاب الإسرائيلي من النقاط العالقة، وصولا إلى توسيع الدعم الدولي للبنان. ويرى دبلوماسيون أن واشنطن تربط أي انخراط أكبر في دعم الدولة اللبنانية بقدرتها على معالجة ملف السلاح الخارج عن إطار المؤسسات الشرعية، باعتباره المدخل الأساسي لترسيخ السيادة وإعادة تثبيت الاستقرار.

وتبعًا لهذه القراءة، تبدو الأسابيع المقبلة مفصلية، لأن كل ساحة ستكون أمام اختبار يتعلق بقدرة الدولة على استعادة قرارها السيادي ووضع “حزب الله” ليس أفضل من “الحشد الشعبي” وفي أي لحظة تعود الضربات. لذلك يضيق هامش الوقت في لبنان، فيما تتزايد المؤشرات إلى أن المجتمع الدولي لن يبدّل أولوياته أو يخفف ضغوطه قبل أن يرى خطوات عملية تعيد الاعتبار إلى منطق الدولة.

وبين العراق وسوريا ولبنان، تتبلور مرحلة إقليمية مختلفة عنوانها بتر الأذرع الإيرانية قبل الرأس. وقد تختلف وسائل الضغط من ساحة إلى أخرى، إلا أن الاتجاه العام يبدو واضحًا وهو خنق حركة التنظيمات المسلحة التابعة لإيران وتعزيز سلطة الدول. ويبقى السؤال: هل يلتقط لبنان هذا التحوّل ويواكبه بقرار داخلي يعيد إنتاج الدولة، أم ينتظر حتى تفرض التطورات الإقليمية إيقاعها عليه وتصبح الخيارات المتاحة أكثر ضيقًا وأعلى كلفة؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق ماذا تعني زيارة عون إلى أنقرة؟
التالى “احتواء السلاح” يعود بطرح عربيّ