“ربّان الشرعية” في مواجهة “حائك الخيبات”

“ربّان الشرعية” في مواجهة “حائك الخيبات”
“ربّان الشرعية” في مواجهة “حائك الخيبات”

كتب سامر زريق في “نداء الوطن”:

احتفى “حزب الله” منذ أيام بالذكرى السنوية لانتصار “حرب تموز”، وألقى أمينه العام الشيخ نعيم قاسم كلمة حظيت بانتشار استثنائي بسبب استناده لمقال خيالي بتوقيع صحافي بلا وجود. ربما يبدو الأمر سورياليًا بالنظر إلى الوقائع المتشكلة وعودة الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الجنوب، وإن كان بمساحة جغرافية لا تزال أقل من تلك التي كانت معروفة بـ”الحزام الحدودي”، إلا أنها أشد قسوة وبطشًا.

غير أن “الحزب” لا يسعه تجاوز مناسبة تعد حجر الزاوية في سياسات التعبئة وشد العصب. فـ”حرب تموز” هي ركيزة صورة الانتصار التي بناها في الوعي الجماهيري وشحذها كالسيف المصقول، واستخدمها كرأسمال سياسي وأمني للهيمنة على قرار الدولة، قبل التمدد إلى سوريا والعراق واليمن، ناهيكم عن محاولات العبث المستمرة بأمن الأردن عبر أدوات في القلب منها المخدرات.

المفارقة أن إسرائيل كانت سخية مع “حزب الله”. فمن موقع الخصومة، سمحت له بمراكمة نفوذ يتجاوز الحدود اللبنانية، وغضّت الطرف عن تحوّله إلى قوة إقليمية، بما ينسجم مع مصالحها في تخريب البنيتين السياسية والمجتمعية في دول المنطقة. لكن المعادلة تبدّلت.

فإيران التي قدمت طويلا بوصفها مفاوضًا دبلوماسيًا ماكرًا يتدثّر بصورة “حائك السجاد” الصبور الذي ينسج الخيوط واحدة تلو الأخرى حتى تكتمل “سجادة النفوذ” الإقليمي، أضحت اليوم أقرب إلى صورة “حائك الخيبات” الذي يراكم خيبة تلو الأخرى وسط عجز عن قراءة التحولات وتساقط خيوط النفوذ من لبنان إلى العراق.

خلال “حرب الإسناد”، فقد “الحزب” قيادته وجزءًا كبيرًا من صورته، فيما بقي الاحتلال محصورًا في بضع نقاط. وفي حرب الثأر للخامنئي، خسر الجغرافيا، ومعها ما تبقّى من خيط رفيع كان يستخدمه للفصل بين تبعيته الكاملة للمركز في طهران وبين لبنانيته.

يدرك “الحزب” كما “الحرس الثوري”، أن مرتفعات “علي الطاهر” وما خلفها من مواقع وتلال في “إقليم التفاح” و”جبل الريحان” وسواها، تشكل مفاتيح استراتيجية لجغرافيا الجنوب، لكنه يرفض تسليم هذه المفاتيح للدولة لأنه ببساطة يسلبه الورقة التي يستمد منها شرعيته. لذلك تتسع محاولات احتواء رئيس الجمهورية والضغط عليه، وصولا إلى تأليب الجيش على السلطة السياسية والعمل على ضرب العلاقة بين الشرعيتين السياسية والعسكرية، بهدف منع اكتمال الحلقة التي تعيد القرار إلى الدولة.

فمعركة “الحزب” ليست مع الرئيس جوزاف عون كشخص، بل مع دوره كـ”ربّان للشرعية”، لم يبع اللبنانيين شعارات زائفة وأوهام تحرير الجليل، ودخل المفاوضات بواقعية المدرك لضعف موقف لبنان ومحدودية قدرته على المناورة، وأن المهمة الأولى ليست اختراع انتصار من الكلمات، بل الحد من الخسائر ومنع تحويلها إلى انهيار دائم.

و”صيغة الإطار” ليست تسوية نهائية، بل حلقة ضمن مسار يمكن مناقشة إيقاعها وشروطها وضماناتها وحدود التنازلات فيها. لكن رفض “الحزب” للاتفاق وحملته المستمرة لتقويضه يرتبطان بهوية المفاوض لا بمضمونه، لأنه قد يجعل الدولة صاحبة الورقة التي كان يحتفظ بها لتسويغ مشروعيته. لهذا، تصبح كل عملية إسرائيلية مادة في المعركة على بعبدا، ويُعاد تقديم الضربة بوصفها دليلا على فشل الدولة، وأن السلاح هو البديل.

وتكمن المفارقة في أن “الحزب” وإسرائيل يلتقيان، وإن من موقعين مختلفين، على ضرب “صيغة الإطار”. فإسقاطها يشكّل هدية نفيسة لنتنياهو على أبواب الانتخابات الإسرائيلية، تحرّره من الضوابط الأميركية، ويخلق فراغًا يسعى “حائك الخيبات” لالتقاطه والمفاوضة عليه، ولو على حساب توسيع حجم النكبة الراهنة ديموغرافيًا وجغرافيًا.

في المقابل، يمضي الرئيس عون في المسار الأصعب: احتواء الضغط الداخلي، حماية العلاقة بين السلطة والجيش، تثبيت حضور الشرعية في الجنوب، وضبط التفاوض ضمن حدود القدرات المتاحة، بالتوازي مع منع إسرائيل من استكمال توسعها الجغرافي.

إنها مواجهة بين مسارين لا يلتقيان: مسار ينقل القرار من منطق الساحة المستباحة إلى منطق الدولة، وآخر يُبقي لبنان ورقة في مهبّ المفاوضات الإيرانية. لذلك، فإن معركة “ربّان الشرعية” مع “حائك الخيبات” ليست على بند أو اتفاق. المعركة الحقيقية هي على من يملك قرار لبنان، حيث يشكّل موقف رئيس الجمهورية التعبير الأكثر عقلانية عن مصلحة الدولة، وما عداه تفاصيل في سجادة تتساقط خيوطها واحدًا تلو الآخر.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق عون في روما والفاتيكان: دبلوماسية لبنانية لمستقبل الجنوب
التالى عون يفتح نافذة لبنان في قلب القرار الأميركي