سكة الحديد بين طرابلس وحمص… فرصة جديدة للشمال!

سكة الحديد بين طرابلس وحمص… فرصة جديدة للشمال!
سكة الحديد بين طرابلس وحمص… فرصة جديدة للشمال!

كتب ريشار حرفوش في “نداء الوطن”:

عاد خط سكة الحديد بين طرابلس وحمص إلى الواجهة بعد عقود من الغياب، وهذه المرة من بوابة مشروع يتجاوز، في أبعاده، إعادة تشغيل قطار متوقف، إلى إعادة رسم جزء من الخريطة الاقتصادية لشمال لبنان وربط مرفأ طرابلس مجددًا بعمقه السوري والإقليمي.

فخلال الأشهر الماضية، انتقل الملف من التداول النظري إلى الاجتماعات والمعاينات الميدانية، وفي 25 آب، بحث وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني في دمشق مع وزير النقل السوري يعرب بدر إعادة الربط السككي بين البلدين، قبل أن ينتقل وفدان فنيان لبناني وسوري، في أيلول، إلى معاينة مسار الخط الممتد من مرفأ طرابلس باتجاه الحدود، مرورًا بمحطة العكاري، تمهيدًا لوصله بحمص والشبكة السورية، واتفق الجانبان على استكمال الدراسات الفنية والاقتصادية، والبحث في الكلفة ومصادر التمويل وآلية التنفيذ وحجم النقل المتوقع عبر الخط.

وإذا كانت الدراسات لا تزال في بداياتها، فإن إعادة الخط تحمل أهمية تتجاوز قطاع النقل نفسه، فالربط بين المرفأ والداخل السوري من شأنه، في حال تنفيذه، أن يعيد لطرابلس موقعها كبوابة تجارية إلى حمص وحماة وما بعدهما، ويوفر مسارًا إضافيًّا لنقل البضائع والترانزيت، ويمنح المناطق الشمالية، التي دفعت طويلا ثمن غياب المشاريع الكبرى، فرصة للدخول في دورة اقتصادية مختلفة. وتزداد أهمية المشروع مع إعادة تفعيل مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض في القليعات.

لكن ما يُطرح اليوم ليس مشروعًا جديدًا بالكامل، وفي هذا السياق، لفت أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في الجامعة اللبنانية الدكتور كريستيان الخوري، لـ “نداء الوطن”، إلى أن البدايات المنظمة تعود إلى ستينيات القرن التاسع عشر، حين افتُتحت، في 18 أيلول 1861، الطريق التي ربطت بيروت بزحلة، قبل أن تتم أول عملية نقل للبضائع بين بيروت ودمشق في الأول من كانون الثاني 1863.

وأوضح أن المسافة بين بيروت ودمشق بلغت يومها نحو 111 كيلومترًا، وكانت الرحلة تستغرق قرابة 13 ساعة، إلا أن الطريق أحدثت تحولا ملحوظًا في الحركة التجارية، وساهمت في تعزيز موقع مرفأ بيروت في المنافسة مع مرافئ حيفا وصيدا وطرابلس، ومع ازدياد حجم التجارة، وصلت قدرة الطريق التقليدية إلى حدودها القصوى، بالتوازي مع بدء العمل على مشروع سكة حديد دمشق – حيفا، وهو ما أثار خشية حقيقية من انتقال قسم من النشاط التجاري بعيدًا من بيروت.

ولفت الخوري إلى أن هذا التحدي دفع الشركة المستثمرة للطريق إلى البحث في تحويله إلى خط للسكك الحديدية، فوضعت دراسات عدة، واعتمد مشروع يقضي بإنشاء خط بطول 147 كيلومترًا، بعرض سكة يبلغ 1.05 متر، وبكلفة قُدّرت يومها بنحو 14 مليون فرنك، قبل أن تحصل الموافقات اللازمة من السلطات العثمانية.

وفي موازاة ذلك، كان التاجر البعلبكي جوزف مطران قد حصل سنة 1888 على امتياز لتطوير مرفأ بيروت، إضافة إلى امتياز إنشاء خط حديدي يربط دمشق بمزيريب في حوران، على مسافة 103 كيلومترات جنوب العاصمة السورية.

وأوضح الخوري أن مواجهة المنافسة البريطانية التي كانت تسعى إلى إنشاء خط دمشق – حيفا دفعت الشركتين إلى الاندماج، فأنشئت “شركة الخطوط الحديدية العثمانية في بيروت – دمشق – حوران في سوريا”، وبدأت أعمالها في كانون الثاني 1892.

وافتُتح خط دمشق – مزيريب في 18 تموز 1894، بينما استغرق تنفيذ خط بيروت – دمشق ثلاثة أعوام، قبل افتتاحه في الثالث من آب 1895، وكان القطار يقطع المسافة المقدرة بنحو 147 كيلومترًا في تسع ساعات.

وأشار الخوري إلى أن الإنجاز الهندسي الأبرز تمثل في عبور القطار تضاريس جبل لبنان والوصول إلى ارتفاع نحو 1487 مترًا في منطقة ضهر البيدر، إضافةً إلى إنشاء أربعة أنفاق، بلغ طول أكبرها نحو 350 مترًا.

وفي سنة 1893، حصل حبيب مطران على امتياز إنشاء خط يصل دمشق بكل من حمص وحماة وحلب وبيردجيك على نهر الفرات، قبل أن ينقل الامتياز إلى الشركة القائمة التي رفعت رأسمالها واتخذت تسمية جديدة هي “الشركة العثمانية للسكك الحديدية في بيروت – دمشق – حوران وبيردجيك على الفرات”.

وحول اختيار رياق محورًا للشبكة، قال الخوري إن الشركة اختارت البلدة نقطة انطلاق للخط الجديد بسبب موقعها في منتصف المسافة تقريبًا بين بيروت ودمشق، إلا أن السلطات العسكرية العثمانية اعترضت في البداية لأسباب استراتيجية.

وبعد مفاوضات، تم التوافق على اعتماد رياق، شرط ألّا تبدأ الأعمال قبل كانون الأول 1897، لإعطاء الأولوية لخط بغداد الذي كانت تعمل عليه شركة ألمانية.

وأدى هذا التأخير، بحسب الخوري، إلى أعباء مالية كبيرة على الشركة، التي اضطرت إلى اللجوء إلى البنك العثماني للحصول على التمويل، مع نقل مقرها إلى إسطنبول وإنشاء شركة جديدة حملت اسم “الشركة العثمانية لسكة حديد دمشق – حماة وتمديداتها”.

طرابلس تدخل على الخط

أما نقطة التحول المباشرة بالنسبة إلى شمال لبنان، فجاءت سنة 1909، حين طلبت الدولة العثمانية من الشركة إنشاء خط متفرع يصل حمص بطرابلس، بهدف ربط خط رياق – حلب بالبحر المتوسط.

وأوضح الخوري أن أهمية هذا المشروع بالنسبة إلى السلطات العثمانية تمثلت أيضًا في تأمين منفذ بحري لخط بغداد عبر طرابلس.

وبدأت أعمال الإنشاء، قبل أن يدخل خط حمص – طرابلس الخدمة الفعلية سنة 1911، وبلغ طول الخط نحو 102 كيلومتر، من دون أنفاق، مع عدد من الجسور الكبيرة التي أقيمت على امتداد المسار.

وفي 23 آب 1913، وافقت السلطات العثمانية على منح الشركة امتيازًا إضافيًّا لإنشاء خط يربط رياق بالرملة في فلسطين، إلى جانب خط آخر من حمص باتجاه دير الزور، في مؤشر إلى اتساع الرؤية التي كانت تقوم عليها شبكة السكك في المنطقة.

وقبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، كانت الشركة قد دخلت مرحلة من الازدهار. ففي آب 1914، توقفت الشركة عن دفع التزاماتها المالية في سوريا، قبل أن تضع السلطات العسكرية العثمانية، في تشرين الثاني من العام نفسه، يدها على خطوط الشركة ومعداتها والعاملين فيها وأموالها، وتُخضع الشبكة للإدارة العسكرية بالتعاون مع خط حديد الحجاز.

ومع انتهاء الحرب، وضعت الشركة خدماتها في تصرف قوات الحلفاء، وعادت إلى العمل تحت إشراف القوات البريطانية، على الرغم من الأضرار الكبيرة التي كانت قد أصابت الخطوط والمعدات.

وفي تشرين الثاني 1919، أعادت السلطات الفرنسية للشركة حق استثمار خطوطها، قبل أن تتغير شروط الاستثمار مرات عدة خلال السنوات التالية، وصولا إلى تفاهم جديد أُبرم سنة 1925 مع سلطات دولة لبنان الكبير.

زمن القطارات الفخمة

وأشار الخوري إلى أن مرحلة الانتداب الفرنسي شهدت تطوير الشبكة واستقدام قطارات أكثر حداثة، فيما شكّل إطلاق قطار “طوروس إكسبرس” سنة 1930 إحدى أبرز المحطات. وكان القطار جزءًا من شبكة نقل دولية سمحت بالربط بين أوروبا والشرق الأوسط.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، تحولت خطوط السكك مرة جديدة إلى خدمة الأغراض العسكرية.

ولفت الخوري إلى أن القوات البريطانية والأسترالية عملت، خلال تلك المرحلة، على تنفيذ خط طرابلس – بيروت – الناقورة، لتأمين نقل القوات بين شمال البلاد وجنوبها، وربط الخط لاحقًا بحيفا.

وأدى ذلك عمليًّا إلى ربط الشبكة الممتدة من أوروبا بشمال أفريقيا، إلا أن الخط لم يعمل سوى نحو ست سنوات، إذ أدى اندلاع الحرب العربية مع إسرائيل عام 1948 إلى توقفه.

من الاسترداد إلى التراجع

وفي السادس من حزيران 1956، استردت الدولة اللبنانية الخطوط والتمديدات وأدارتها تحت اسم “سكك الحديد اللبنانية”.

وفي 14 نيسان 1961، أنشئت “مصلحة سكك حديد الدولة اللبنانية والنقل المشترك لبيروت وضواحيها”، التي عُدّل اسمها لاحقًا لتصبح “مصلحة السكك الحديد والنقل المشترك”، وأنيطت بها إدارة واستثمار الخطوط تحت وصاية وزارة الأشغال العامة والنقل.

وأشار الخوري إلى أن إقفال باب التوظيف في المصلحة سنة 1964 ساهم بدوره في تراجع عدد العاملين مع مرور السنوات، فيما دخل القطاع مرحلة أكثر صعوبة مع اندلاع الحرب سنة 1975.

عندها توقفت قطارات الركاب، بينما استمر نقل البضائع بصورة متقطعة، تبعًا للظروف الأمنية وجولات القتال، إلى أن خسرت الشبكة تدريجيًّا وظيفتها التي لعبتها لأكثر من قرن.

واليوم، بعد عقود من خروج القطار من دورة النقل اللبنانية، يعيد مشروع طرابلس – حمص هذا التاريخ إلى النقاش، ولكن ضمن ظروف مختلفة كليًّا، فالمطلوب لا يقتصر على ترميم قضبان قديمة أو استعادة صورة القطار، بل على تحديد وظيفة اقتصادية قابلة للحياة للخط، وربطه بالمرفأ وبشبكات النقل والتجارة الإقليمية، وتأمين التمويل والاستثمار اللازمين لتشغيله.

وفي شمال لبنان تحديدًا، يمكن لأي مشروع متكامل يجمع بين مرفأ طرابلس، وخط سكك يصل إلى سوريا، ومطار الرئيس الشهيد رينيه معوض في القليعات، أن يؤسس لممر نقل ولوجستيات مختلف عن النموذج الذي حكم البلاد لعقود، وأن يمنح طرابلس وعكار والشمال موقعًا أكثر حضورًا في الاقتصاد اللبناني والإقليمي.

مواضيع ذات صلة

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق رغم العقبات والعقوبات.. 200 مليون دولار من طهران إلى “الحزب”!
التالى المفاوضات تُقلع بجناحها العسكري وتهبط في تامبا