شحنة ضهر البيدر تختبر السيادة وتفضح النفوذ الإيراني

شحنة ضهر البيدر تختبر السيادة وتفضح النفوذ الإيراني
شحنة ضهر البيدر تختبر السيادة وتفضح النفوذ الإيراني

كتب طارق أبو زينب في “نداء الوطن”:

لم تعد شحنة المتفجرات التي ضُبطت عند حاجز ضهر البيدر قضية تهريب عابرة، بل تحوّلت إلى اختبار مباشر لقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها في مواجهة سلاح يتجاوز قراراتها، خصوصًا بعد إقرار عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب حسن فضل الله بأنّ الشحنة تعود إلى “حزب الله”. فالشحنة، التي قُدّرت بنحو 780 كيلوغرامًا من المواد المتفجّرة، بينها “تي إن تي” و”سي 4″، كانت في طريقها من بعلبك إلى الضاحية الجنوبية لبيروت قبل أن تضبطها القوى الأمنية، ما يضع القضية في صلب المواجهة بين قرارات الدولة والواقع الأمني الذي يفرضه السلاح خارج سلطتها، ولا سيّما في ظلّ القرار الحكومي بحظر الجناح العسكري لـ”الحزب”.

ولا تتوقف خطورة الملف عند الشخصين اللذين كانا داخل الشاحنة، إذ إن حصر المسؤولية بالناقلين لا يكشف بالضرورة حقيقة العملية ولا يمنع تكرارها. فجدية التحقيق تُقاس بقدرته على تحديد المسؤوليات وكشف حلقات العملية، مع إطلاع الرأي العام على النتائج المتاحة وصون سرية الإجراءات.

ولا تكتمل المساءلة بإعلان التوقيفات، بل تتطلب توضيح ما ثبت في التحقيق وما لا يزال قيد التحقق، بعيدًا من استباق النتائج أو ترك المجال مفتوحًا أمام روايات متضاربة. فالمطلوب إجراءات قضائية تستند إلى الأدلة وتصل إلى كل حلقة في سلسلة النقل، أيًا كانت صفتها أو الجهة التي تقف خلفها. وحده تطبيق القانون على أساس المسؤولية الفردية والأدلة الموثوقة يضمن محاسبة المتورطين، ويمنع تحويل القضية إلى سجال سياسي يحجب حقيقة ما جرى.

وتقول مصادر دبلوماسية أميركية لـ”نداء الوطن” إن القلق لا يقتصر على حجم الشحنة، بل يشمل احتمال ارتباطها بمخطط يستهدف مصالح أميركية. وتزداد حساسية هذه المخاوف في سياق الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وبعد القرار الأميركي الذي أصدره الرئيس دونالد ترامب في 30 أيلول 2026، ونُشر في السجل الفدرالي في 5 تشرين الأول تحت الرقم 2026-25. وقد ألغى القرار أربعة تحديدات رئاسية سابقة تعود إلى أعوام 1985 و1992 و1998 و2007، وتتصل بحماية الطائرات العاملة من لبنان وإليه من الاستيلاء غير القانوني. غير أن تزامن القرار مع ضبط الشحنة لا يثبت وجود علاقة سببية بينهما، ولا يعني أن الشحنة أثّرت في القرار الأميركي. لكنه يضع أمن النقل والرقابة وقدرة السلطات اللبنانية على تطبيق القانون وتعزيز الثقة أمام اختبار حساس، في ظل تداعيات أمنية ودبلوماسية قد يتحمل المواطنون كلفتها من دون أن يملكوا قرارها.

وتعيد القضية إلى الواجهة ذكرى تفجير مقر مشاة البحرية الأميركية في بيروت في 23 تشرين الأول 1983، الذي أوقع 241 قتيلا من العسكريين الأميركيين. ولا يعني استحضار هذه المحطة أن الشحنة كانت معدّة لاعتداء مماثل، بل يذكّر بما قد يترتب على تحوّل لبنان إلى ساحة للصراعات الخارجية، حيث يصبح أمنه وسيادته ومستقبل مواطنيه عرضة لتداعيات قرارات لا يملكون حق تقريرها، فيما يتحملون أثمانها.

سياسيًا، تطرح القضية مجددًا سؤال النفوذ الإيراني في لبنان، ودور “حزب الله” في توظيف الساحة اللبنانية ضمن حسابات طهران الإقليمية. ولا يمكن استبعاد احتمال ارتباط الشحنة بتوجيه إيراني مباشر، لكن إثبات ذلك يبقى رهنًا بما تكشفه التحقيقات من أدلة وقرائن موثوقة. وإذا أثبتت التحقيقات صلة تنظيمية أو كشفت شبكة أوسع وراء عملية النقل، فستواجه الدولة اختبارًا حاسمًا يتمثل في محاسبة كل من تثبت مسؤوليته، بعيدًا من الحصانات السياسية والاعتبارات الحزبية. فالمسألة تتجاوز حمولة المتفجرات إلى قدرة المؤسسات الشرعية على منع أي جهة مسلحة من تجاوز القانون واحتكار القرار الأمني خارج إطار الدولة، بما يعرّض لبنان لمخاطر تتجاوز حدوده ويجعل استقراره رهينة حسابات إقليمية.

في ضهر البيدر، لا ينتهي الامتحان بضبط الشحنة، بل يبدأ بتحديد من يقف وراءها. فنجاح الدولة لا يُقاس بتوقيف الناقلين وحدهم، بل بوصول التحقيق إلى أصحاب القرار، وكشف الحقيقة وتطبيق القانون على الجميع. وحده هذا المسار يعيد الاعتبار إلى المؤسسات ويثبت أن أمن لبنان ليس ورقة في حسابات القوى الإقليمية، وأن السيادة ممارسة فعلية ومحاسبة، لا شعاراً يُرفع عند الأزمات.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق الاغتيال بلا غطاء سياسي!
التالى المفاوضات تُقلع بجناحها العسكري وتهبط في تامبا