موقف “الحزب” من حرب إيران يفتح باب الأسئلة الوجودية

موقف “الحزب” من حرب إيران يفتح باب الأسئلة الوجودية
موقف “الحزب” من حرب إيران يفتح باب الأسئلة الوجودية

كتب داود رمال في “نداء الوطن”:

أعاد إعلان الأمين العام لـ “حزب اللّه” الشيخ نعيم قاسم بأن “الحزب” لن يكون على الحياد في حال اندلاع حرب على إيران، فتح النقاش اللبناني على مصراعيه حول حدود القرار الوطني، وهو نقاش يتجاوز في هذه المرحلة البعد السياسي الآني ليطول مصير الكيان اللبناني نفسه في لحظة إقليمية شديدة الخطورة. فالموقف، وإن بدا للبعض امتدادًا طبيعيًا لخطاب “الحزب” التقليدي، حمل في توقيته ومضمونه دلالات عميقة استدعت ردود فعل واسعة وسريعة، داخليًا وخارجيًا، كشفت حجم القلق من أيّ انزلاق جديد قد لا يحتمله لبنان.

في منطق “الحزب”، يندرج موقف الشيخ قاسم في أدبياته الثابتة التي تعتبر أن الوقوف إلى جانب الدولة التي تدير وتدعم مشروعه هو “واجب” سياسي وأخلاقي، وهو توصيف يعكس بوضوح طبيعة العلاقة العضوية بين الطرفين، بحيث لا يُنظر إلى “الحزب” كفاعل مستقلّ تمامًا بقدر ما يُقدَّم كجزء من محور له مركز قرار يتجاوز الحدود اللبنانية. غير أن هذا المنطق، على تماسكه الداخلي، يصطدم بواقع لبناني مغاير، وبحساسيّة استثنائية ناجمة عن تجربة طويلة مع الحروب بالوكالة، وما خلّفته من أثمان بشرية واقتصادية ووجوديّة.

وفي موازاة الموقف المعلن، وصلت إلى الجهات الرسمية اللبنانية توضيحات مفادها أن هذا الإعلان لا يُفترض أن يترجم ميدانيًا أو أن تكون له مفاعيل عملية على الأرض، في محاولة واضحة لاحتواء القلق الداخلي وطمأنة الخارج. إلّا أن هذه التوضيحات، على أهميّتها، لم تنجح في تبديد المخاوف بالكامل، إذ إن التجربة السابقة علّمت اللبنانيين أن الفاصل بين الموقف السياسي والتطوّر الميداني قد يكون شبه معدوم، وأن الحسابات الإقليمية كثيرًا ما تتقدّم على الاعتبارات المحلية عند لحظات الاختبار.

الإيجابية الأبرز التي أفرزها هذا الإعلان، تمثلت في كونه شكّل، من دون قصد ربّما، استفتاءً وطنيًا سريعًا ونادرًا. فما إن صدر الموقف حتى توالت ردود الفعل الرافضة والمحذرة من مختلف القوى السياسية والشخصيات العامة، على اختلاف مواقعها وانتماءاتها، في إجماع شبه كامل على رفض إقحام لبنان في حرب تدميرية جديدة، هذه المرة لا تهدّد الاقتصاد أو الاستقرار فحسب، بل تطول مصير الكيان بحدوده وتركيبته وتوازناته الدقيقة. هذا الرفض العارم، عكس تحوّلًا واضحًا في المزاج العام، ولم يعد الخطاب التعبوي قادرًا على تبرير مغامرات مفتوحة في بلد يرزح تحت أزمات غير مسبوقة.

الأكثر دلالة بالنسبة إلى “الحزب” كان الموقف الصادر عن شريكه في “الثنائي”، سواء عبر وسائل الإعلام أو على منصات التواصل الاجتماعي، حيث جاءت الانتقادات حادّة وغير معهودة، ووصفت هذا التوجّه بأنه أشبه بالانتحار السياسي ونحر للطائفة وللبنان في آن واحد. وكشف هذا المشهد أن التحفظ لم يعد محصورًا بخصوم “الحزب” التقليديين، بل تسلّل إلى بيئته السياسية الأوسع، ما يعكس إدراكًا متناميًا لحجم المخاطر التي قد تترتب على أي خطوة غير محسوبة في هذا التوقيت.

أمام هذا الرفض اللبناني الواسع، يُفترض أن يشكّل الموقف الشعبي والسياسي رادعًا حقيقيًا أمام أي مغامرة جديدة، أو على الأقلّ عنصر ضغط داخلي لا يمكن تجاهله. فلبنان، لا يملك ترف الدخول في معادلات كبرى تتجاوز قدرته على الاحتمال، ولا يستطيع مرّة جديدة تحمّل كلفة أن يكون ساحة مفتوحة لتصفية حسابات إقليمية أو دولية.

من هنا، يبرز السؤال الذي يُطرح اليوم محليًا ودبلوماسيًا على حدّ سواء: ماذا لو ذهبت إيران إلى صفقة أو تسوية مع الولايات المتحدة، وكان من نتائجها التزام بتجريد الأذرع من السلاح أو إعادة ضبط أدوارها؟ ما الذي سيكون عليه موقف “الحزب” عندها؟ وهل يُعقل أن يكون قرار التنازل، إن حصل، ثمرة صفقة خارجية جديدة تُدار فوق رؤوس اللبنانيين، فيما يمكن أن يكون حلًا لبنانيًا داخليًا يحقق مكاسب خالصة للبنان بدل أن يأتي مرة أخرى على حسابه؟

في هذا السياق، يطرح كثيرون أن الخيار الأجدى والأكثر نبلًا يتمثل في تقديم التنازل لمصلحة الدولة اللبنانية بإرادة داخلية، لا أن يُفرض لاحقًا كجزء من تسوية إقليميّة. فالتنازل الطوعيّ لصالح الدولة، يعزز الشراكة الوطنية ويعيد الاعتبار لمفهوم السيادة، بينما التنازل الناتج عن صفقة خارجية يرسّخ صورة لبنان كأرض ملحقة بمسارات لا يملك التحكّم بها. بين هذين الخيارين، يقف لبنان اليوم أمام لحظة مفصلية، حيث لم يعد السؤال ما إذا كان قادرًا على تحمّل حرب جديدة، بل ما إذا كان قادرًا على استعادة قراره قبل أن يُتخذ عنه مرة أخرى

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق ملاحقون من فريق “الممانعة” يغادرون لبنان ويعودون!
التالى 2025 كان عام التحوّل في سياسة واشنطن تجاه لبنان