كتبت جومانا زغيب في “نداء الوطن”:
يجد “حزب اللّه” نفسه عند مفترق طرق بالغ التعقيد والصعوبة، والخيارات المترتبة عليه أحلاها مرّ، بل إن الرهان على العودة إلى ما كان من سطوة ونفوذ وتحكّم بات رهانًا على ماضٍ لا طائل تحته. ولذلك يشهد الصف الداخلي على أعلى المستويات نقاشات لا تخلو من السخونة أحيانًا حول ما يجب فعله وما يجب تجنبه، وحول ما يمكن التزامه وتحقيقه بالاعتماد الكلّي على التوجيهات الإيرانية، وما يمكن التملّص منه أو التحفظ عليه ولو بدا خروجًا من تحت السقف الذي كما يبدو أصبح يتحكم بهوامشه وحدوده بشكل واضح الحرس الثوري الإيراني ورعاته ومريدوه على صعيد القيادة الإيرانية الموقتة، والتي قد تتحوّل إلى دائمة حتى إشعار آخر.
ويقول عارفون من رموز كانت تواكب “الحزب” عن كثب فترة لا بأس بها وتدرك جانبًا من مفاصله، إن النقاش داخله يتمحور حول مسألتين:
الأولى، تتمثل بالتساؤل حول صوابية خيار التورّط في الحرب تحت عنوان إسناد “الجمهورية الإسلامية”، وما أدّى إليه حتى الآن من نتائج مؤلمة على صعيد “الحزب” وعلى صعيد البيئة الحاضنة والتي تشكّل الأرضية الصلبة التي توفر الأمان والثقة والدعم الشعبي الذي يعوّض في أحيان كثيرة تداعيات الخسائر السياسية والعسكرية والاقتصادية. فهذه البيئة بحسب المعترضين، بدأت تُظهر علامات ضعف وتفكك يُخشى أن يصل لدى بعض الشرائح للانفصال العملي عن تطلعات “الحزب” وتوجّهاته، ولو استمرّت على تعاطف معين معه ومع تاريخه وتضحياته، مع العلم أن الجراح الثخينة التي أصابتها من حرب إسناد غزة ما زالت موجعة ومفتوحة.
أما المسألة الثانية، فتتعلّق بمدى صوابية الولاء من دون قيد أو شرط أو تحفظ للمرشد الأعلى الجديد لـ “الجمهورية الإسلامية الإيرانية”، لا سيّما بصفته المرجعية المفترضة، أي بصفته الولي الفقيه الذي لا تخضع قراراته وتعليماته للمراجعة. ومثار الاعتراض هو أوّلًا على طريقة تعيينه بما يخالف الأعراف والأصول والمنطق، لا سيّما أن هذا التعيين جاء على قاعدة الوراثة الشخصية للمرشد الراحل آية الله علي خامنئي، وثانيًا، لأن المرشد الجديد مجتبى خامنئي لا يملك الخبرة والهيبة الروحية والمعنوية كإمام يمكنه فرض سطوته كولي فقيه، له الكلمة الفصل في القضايا الكبرى.
وما يزيد التساؤلات هو أن الحرس الثوري كما بات معلومًا، كانت له اليد الطولى في اختيار مجتبى واستبعاد أي أسماء أخرى، على الرغم من إصابته المرجحة خلال عملية اغتيال والده. وفي رأي المعترضين، فإن الحرس الثوري ما زال عند المربع الأول للثورة الإيرانية لجهة الإصرار على تصديرها والتصرّف مع الأذرع كمجرّد فصائل تابعة لا اعتبار لتضحياتها وتاريخها الحافل، وخصوصًا في ما خصّ “حزب اللّه” الذي استطاع أمينه العام الراحل السيد حسن نصراللّه أن يكون شريكًا في القرار إلى جانب السيد خامنئي في بعض الخيارات الأساسية.
ويقول العارفون إن الشيخ نعيم قاسم يتحمّل مسؤولية مضاعفة اليوم في رسم الخط الذي يتبعه “حزب اللّه”، ولو أنه يبدو أضعف من أن يملك الحدّ الكافي من قوّة الشخصية والقدرة على التمايز، فهو أوّلًا الأمين العام الحالي، بما يمثل من حضور وتاريخ إلى جانب السيد حسن نصراللّه، وليس من شخصية توازيه عمليًا على الرغم من أنه يفتقر إلى الكاريزما وقوّة الإقناع. وثانيًا، لأنه يُعتبر المنظّر الأبرز في “حزب اللّه” من خلال مؤلّفاته وكتاباته ولا سيّما منها كتابه حول “حزب اللّه – المنهج والتجربة والمستقبل” والذي ضمّنه أبرز مبادئ “الحزب” وطروحاته وموقعه في منظومة ولاية الفقيه، خصوصًا أنه يعتبر أن “حزب اللّه” بمن وما يمثل يشكل جزءًا من الأمة الإسلامية الكبرى. وتاليًا، ما يخوضه “الحزب” اليوم من مواجهات يندرج في إطار الجهاد الذي يرتبط قراره بالولي الفقيه الذي “يعود له القرار حصرًا وهو قرار ملزم للمسلمين”.
ويصف الشيخ قاسم الولي الفقيه بأنه “الولي على المسلمين، وهو الذي يحدد التكليف السياسي لهم في البلدان المختلفة”، أي في إيران وخارج إيران، وهو “الأمين على تطبيق الأحكام الإسلامية واتخاذ القرارات السياسية الكبرى التي ترتبط بمصالح الأمة، وهو الذي يملك صلاحية قرار الحرب والسلم”.
وما يثير تحفظ بعض المعترضين، هو أن المرجعية تتدخل في مختلف التفاصيل السياسية، والمثل على ذلك، كيف أن قرار “الحزب” بالمشاركة في أول انتخابات نيابية في لبنان في العام 1992 اتخذ بناء على استفتاء الولي الفقيه الإمام خامنئي والذي أفتى بمشروعيتها ليعلن بعدها الأمين العام السيد حسن نصراللّه بتاريخ 3 تموز 1992 مشروعية المشاركة في الاستحقاق النيابي.
في أي حال، النقاش الحاصل في الأوساط القريبة من “الحزب” قد يكون الأهم لأنه يعكس حقيقة النبض الشيعي الغالب، لجهة ضرورة البحث جديًا في التمايز عن الولاء المطلق لمرجعية الحرس الثوري، لا سيّما في ظلّ الحالة الصحية للمرشد الجديد، مع الأخذ في الاعتبار الخسائر الهائلة المترتبة على المواجهة الحالية القاسية والتي تأتي وكأنها استكمال للنتائج المأسوية للحرب الأولى، ما يفرض إعادة تقييم شاملة للحفاظ على ما تبقى عبر الابتعاد عن الرهانات الخاطئة مرارًا وتكرارًا.



