كتب محمد دهشة في “نداء الوطن”:
تحفظ ذاكرة اللبنانيين، ولا سيّما أبناء الجنوب، أن حرب الجسور التي خاضتها إسرائيل لم تكن يومًا مجرّد استهدافٍ للبنى التحتية بهدف إنهاك الاقتصاد أو عزل المناطق جغرافيًا، بل كانت، في وعيهم المتراكم، إشارةً مبكرةً تمهّد لاقتحامٍ بريّ يزحف على الأرض بعد أن تُكسر مفاصلها.
هذا الإدراك لم يتشكّل من فراغ، بل تكرّس عبر عقودٍ طويلة من التجربة القاسية، منذ اجتياح الليطاني عام 1978، مرورًا بعملية “سلامة الجليل”، ثمّ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، فحربي 1993 و 1996، وحرب تموز 2006، وصولًا إلى حرب عام 2024. في كلّ تلك المحطات، كانت الجسور تُقصف أولًا، وكأنها العتبة التي تعبر فوقها الحرب نحو الداخل.
اليوم، يتكرّر المشهد بالملامح ذاتها، وإن تغيّر إيقاعه. فجنوب الليطاني يشهد استهدافًا ممنهجًا لجسوره، في خطوة تعيد إلى الأذهان ذاكرة الخراب الأولى، خصوصًا بعد أوامر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتدمير جميع الجسور التي تربط الجنوب بالعاصمة بيروت وبالبقاع الغربي. وكأن الجغرافيا تُعاد صياغتها بالنار، لتُعزل الضفاف عن بعضها البعض، ويُعاد رسم طرق الناس بالخوف.
الجسور المهدّدة
أمّا الجسور، فهي ليست مجرّد معابر من أسمنت وحديد، بل شرايين حياة تختزن حكايات الناس وتنقل يومياتهم وأبرزها في جنوب الليطاني:
– جسر القاسمية، بثلاثيته الممتدّة بين القديم – الساحلي والكنايات وآرزي – برج رحال، يقف عند مصبّ الليطاني شاهدًا على صلة الجنوب بساحله، رابطًا قرى قضاء صيدا – الزهراني بمدينة صور وقضائها، وكأنّه خيط ماءٍ يشدّ المدن إلى بعضها البعض.
– جسر الخردلي، يصل بين ضفتي نهر الليطاني، ويشكّل صلة الوصل بين قضاءَي النبطية ومرجعيون في المنطقة الواقعة بين بلدتي كفرتبنيت ودير ميماس، ما يعكس أهميّته كمعبر داخلي بين أطراف النبطية والجنوب الشرقي.
– جسر طيرفلسيه (6 شباط)، الذي يربط بين بلدتي الزرارية وطيرفلسيه، يربط قرى منطقتَي الزهراني وصيدا بقرى قضاءَي صور وبنت جبيل، وهو أحد أهم المعابر بين الساحل والقرى الجنوبية الداخلية. تعرّض في نيسان 1996 وتموز 2006 للقصف والتدمير الإسرائيلي، ومن ثم أُعيد ترميمه من قبل الدولة اللبنانية. ويبلغ طوله نحو 43 مترًا وعرضه 12 مترًا.
– جسر قعقعية، في بلدة قعقعية الجنوبية، يؤدي إلى جنوب نهر الليطاني عبر بلدة فرون ووادي الحجير، أي يربط بين منطقتي قضاءَي النبطية وبنت جبيل، ويُعد أحد أهم الممرّات الداخلية بين هذين القضاءين.
– جسر الدلافة – السريرة، الواقع فوق نهر الليطاني لكن في البقاع الغربي، ويكتسب أهمية كونه المعبر الرئيسي للتواصل بين أقضية: البقاع الغربي (عين التينة ومشغرة)، وجزين (كفرحونة)، والشوف، وحاصبيا، ومرجعيون، ويجنب المواطنين اجتياز مسافة دائرية تتطلّب وقتًا وجهدًا وتكلفةً مضاعفة. سبق أن دُمّر في اجتياح 1982، وتمّ قصفه في حرب 2006.
القانون الدولي
ورغم وضوح القواعد التي يضعها القانون الدولي، والتي تحظر استهداف البنى التحتية المدنية لما يشكّله ذلك من خطرٍ مباشر على حياة المدنيين، يعدّ التدمير العشوائي للمنازل جريمة حرب، إلّا أن هذا القانون يبقى، في التجربة اللبنانية، نصًا على ورق، لا يردع آلة الحرب ولا يوقف تكرار المشهد.
ويقول الأكاديمي اللبناني د. محمد مشيك لـ “نداء الوطن” إن “استهداف الجسور يُعدّ مخالفًا للقانون الدولي الإنساني، ويُصنف كجريمة حرب وفقًا للمحكمة الجنائية الدولية، التي اعتبرت أن تدمير الجسور المدنية يرقى إلى جريمة حرب إذا كان الهدف منه ترهيب المدنيين وفرض عقاب جماعي على سكان منطقة محدّدة، فضلًا عن كونه يعيق وصول المواد الغذائية والطبية إليها”.
واعتبر د.مشيك أن إسرائيل أعلنت مرارًا، على لسان مسؤوليها، نيتها تدمير الجسور بهدف عزل قرى جنوب الليطاني عن سائر المناطق اللبنانية، ما يعني فعليًا حرمانها من حرية التنقل ومن الوصول إلى الغذاء والدواء والسلع الأساسية.
وأوضح أن القانون الدولي الإنساني، ولا سيّما اتفاقية جنيف لعام 1949 والبروتوكول الإضافي لعام 1977، يحظر استهداف الأعيان المدنية، ويُلزم القوات العسكرية بالتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، إضافة إلى الالتزام بمبدأ التناسب، وهو ما ينطبق على مسألة الجسور وضرورة عدم استهدافها أو قطع الإمدادات الحيوية عن المناطق المعزولة.
وأشار إلى أن استهداف الجسور جنوب الليطاني ينعكس مباشرة على الواقع الإنساني، إذ يحرم المستشفيات من الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، ويقيّد حركة المدنيين ويمنعهم من النزوح إلى مناطق أكثر أمانًا، فضلًا عن كونه يقطع الممرّات التي تُستخدم لنقل الإمدادات الأساسية، ما يجعله انتهاكًا واضحًا يرقى إلى جريمة حرب.
وأكّد أن أيّ مبرّرات تطرحها إسرائيل لا تشكّل غطاءً قانونيًا لهذه الممارسات، إذ إن تعطيل نقل الأسلحة لا يبرّر فرض عقوبات جماعية على المدنيين أو استهداف المرافق الصحية، لافتًا إلى أن هذا النهج سبق أن اعتمدته إسرائيل في حروبها على لبنان من خلال استهداف البنى التحتية في مختلف المناطق.
وختم بالقول إن إسرائيل تتجاهل القوانين الدولية بشكل متكرّر، مشيرًا إلى أن ما جرى في غزة يشكّل دليلًا واضحًا على ذلك، في ظلّ غياب آليات محاسبة فاعلة، ما يفسح المجال أمام تكرار الانتهاكات وارتكاب المزيد من الجرائم بحق المدنيين.
هكذا، لا تُقرأ حرب الجسور في الوعي اللبناني كفعلٍ عسكريّ عابر، بل كرمزٍ يتجدّد مع كلّ حرب، يُنذر بما هو آتٍ، ويُعيد إحياء ذاكرةٍ لم تغب. فالجسور التي تُقصف، تُبنى من جديد، لكن ما يتراكم في الذاكرة أبقى من الحجر… ذاكرةٌ تعرف أن الطريق حين يُقطع، لا يُراد له أن يُرمّم سريعًا، بل أن يُمهّد لعبورٍ آخر، أثقل وأشدّ وقعًا.



