أزمة السيولة تشلّ الأسواق

أزمة السيولة تشلّ الأسواق
أزمة السيولة تشلّ الأسواق

كتب خالد أبو شقرا في صحيفة “نداء الوطن”:

سوق فرن الشباك التجاري، الذي كان في يوم من الأيام مقصداً اساسياً لشراء الالبسة والاحذية وأدوات الزينة، تزين هذا العام باكراً بإعلان شهر التسوق. لا واجهة محل ولا زاوية شارع ولا حتى مداخل المواقف تخلو من إعلان ملوّن كتب عليه: “شهر التسوق بلش عنا، تسوقوا واربحوا مع BAZAR فرن الشباك من 16 آب لغاية 15 ايلول”. هذا الإعلان تجاوره حسومات جنونية، فالأسعار تبدأ من 5 آلاف ليرة، وهو ما يوازي الأسعار في الأسواق الشعبية، وحتى أنها تنافس أسعار “سوق الاحد”. و”مع هذا كله فان الحركة معدومة، ونسبة المبيعات سجلت هذا العام تراجعاً بمقدار 40 في المئة عن العام الماضي، وعشرات المؤسسات العريقة التي استطاعت الصمود والإستمرار أثناء الازمات السابقة تتجه اليوم إلى الإقفال، وهو ما يدل على عمق الازمة وتجذّرها”، يقول علي، أحد أصحاب محال بيع الألبسة الرجالية.

السيولة مفقودة

الأخبار نفسها تتكرر من تاجر إلى آخر. نخرج من محل الألبسة وندخل محل الأدوات المنزلية من دون الحصول على خبر إيجابي، وبحسب ريتا، صاحبة متجر الأحذية على الزاوية فإن “كل المؤسسات تتشارك الواقع نفسه. إرتفاع كبير في أسعار الايجارات، يقدر متوسطه بحدود 40 الف دولار سنوياً، وتراجع ملحوظ في أعداد السياح والمغتربين، وانخفاض كبير في القدرة الشرائية عند المواطنين وتحديداً اصحاب الدخل المحدود”.

 

“لا توجد سيولة بين أيدي المواطنين” رأي مشترك يتفق عليه التجار كلهم، والدليل برأيهم أن “معدل البيع لا يرتفع مهما انخفضت الأسعار”، أما بالنسبة لفترة المناسبات والاعياد، فإن الطلب مهما ارتفع، يبقى متدنياً عن السنوات السابقة، “إنتظرنا بفارغ الصبر حلول عيد الأضحى، لما له من تأثير كبير على حركة الاسواق، لكن النتيجة أتت دون التوقعات. فلم يزدد البيع منذ بداية شهر آب ولغاية اليوم عن المليوني ليرة، وإذا استمر هذا الوضع، فإن المردود لن يكفي لدفع بدل الإيجار فقط، هذا من دون احتساب مصاريف الماء والكهرباء والمولد وأجرة العامل وخدمة التنظيف… وما الى ذلك” يعلق أحد التجار عند سؤاله عن حركة الاسواق في فترة الأعياد.

الإقفالات بالجملة

قبل حوالى شهرين أظهرت ارقام الدراسة التي قامت بها “جمعية تجار بيروت” و”فرنسبنك” ان المؤشر التجاري تراجع منذ العام 2011 ولغاية العام 2018 بنسبة 40 في المئة. كما بينت احصاءات “الجمعية”، ان نسبة الاقفال في المتاجر والمؤسسات في العاصمة بيروت تراوحت خلال الأشهر الخمسة عشر المنصرمة بين 4 و13 في المئة. أرقام تبدو متوقعة عند رئيس “جمعية تجار بدارو” جورج براكس، “إذ أن المستهلكين دخلوا فعلياً مرحلة التقنين في المصروف على الكماليات، وعمليات الشراء أصبحت تقتصر على الضروريات، من مأكل ومشرب، ومحاولة تأمين الفواتير والمتطلبات”.

ومما زاد الازمة حدة هو إقرار موازنة مثقلة بالضرائب والرسوم، أرهقت المواطنين واقتطعت جزءاً لا يستهان به من مدخولهم، سواءً بطريقة مباشرة أم غير مباشرة. وذلك بدلاً من التوجه إلى أماكن السرقة والتهريب الكثيرة، والتي أصبحت معروفة من الصغير قبل الكبير، “فكل التقارير تشير إلى ان نسبة الهدر وعدم الجباية في الكهرباء تقدر بـ 40 في المئة. وكلنا شاهدنا اخيراً على الشاشات قوافل الشاحنات على معابر التهريب في منطقة القصر على الحدود السورية، هذا عدا عن الفضائح في الجمارك وغيرها. الأمر الذي جعل المواطنين يفقدون الثقة” يقول براكس.

كلام براكس، حول غياب الثقة يؤكده استطلاع “ثقة المستهلك” الذي أجراه بنك بيبلوس، والذي أظهر أن أكثر من 62 في المئة من الأسر توقعت مزيداً من التراجع في أوضاعها المالية في النصف الثاني من العام الحالي، وبالتالي تراجعاً أكيداً في قدرتها الشرائية وإحجاماً في إنفاقها.

تقنين الدولة قاتل

تراجع القدرة الشرائية عند المواطنين، وانعدام الفرص الاستثمارية أمام القطاع الخاص نتيجة ملامسة أسعار الفوائد الـ 14 في المئة، والتقنين المستمر في دفع الرواتب والاجور وارتفاع معدلات البطالة، تترافق مع إحجام الدولة (أكبر رب عمل في لبنان)، عن دفع الاموال واتباع سياسة إنكماشية، حيث انخفض الانفاق الفعلي بقيمة 1300 مليار ليرة في الاشهر الأربعة الأولى من العام الحالي. كما تمتنع الدولة عن دفع مليارات الدولارات من المستحقات للمستشفيات الخاصة، والضمان الاجتماعي، والمقاولين، والشركات، والموردين وغيرهم. وهو ما خلق حالة اختناق اقتصادية على الصعد والمجالات كافة.

العودة الى خطة “ماكينزي” قد تكون الحل الوحيد المتوفر أمام المعنيين لتقويم اعوجاج الوضع الاقتصادي، وانقاذ ما بقي من أعمال ومؤسسات. والا فإن حبل الإقفال سيبقى على جرار تراكم الازمات.

أمام تراجع حركة البيع، تحوّلت واجهات المحال التجارية في مختلف الأسواق إلى لوحة كبيرة لعرض الأسعار وتحديد التنزيلات. تتغيّر الأرقام، تتبدّل النسب المئوية، تُبتكر الشعارات… لتبقى النتيجة واحدة، عشرات المحلّات أعلنت عن تصفية بضائعها بانتظار موعد الإقفال النهائي.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق أهالي الحواكير يعتصمون رفضًا لمطمر النفايات 
التالى هل يطمح سمير جعجع للوصول الى قصر بعبدا بعد عون؟