السعودية وواشنطن: اتفاق نووي يغيّر معادلات المنطقة

السعودية وواشنطن: اتفاق نووي يغيّر معادلات المنطقة
السعودية وواشنطن: اتفاق نووي يغيّر معادلات المنطقة

كتب أحمد جميل عزم في العربي الجديد:

أُعلن في 22 تموز الجاري في الولايات المتحدة “اتّفاق” يضع الأساس القانوني للتعاون النووي المدني بين الرياض وواشنطن، بموجبه تسمح إدارة الرئيس دونالد ترامب بأن تزوّد شركات أميركية السعودية ما يلزم لبناء مفاعل لأغراض إنتاج الوقود النووي، ما يفتح باب تخصيب اليورانيوم في المملكة. ولهذا الاتّفاق دلالاته السياسية والاقتصادية، سواء على صعيد العلاقات السعودية الأميركية، والخليجية الأميركية عموماً، أو على صعيد عملية صناعة السياسة الخارجية الأميركية ووزن المتغيّر الإسرائيلي فيها. ويبدو أنّ وزن “الفيتو الصهيوني” في صناعة السياسة الخارجية الأميركية في تراجع مطرد، والاتّفاق مؤشّر أيضاً على تراجع الاهتمام الأميركي بهندسة نظام إقليمي أمني جديد، لمصلحة التركيز على مكاسب اقتصادية سريعة.

تسير السعودية، كما باقي دول الخليج العربية، باتجاه تنويع علاقاتها الاقتصادية بالخارج. والمملكة ثاني أكبر دولة، بعد فنزويلا، من حيث حجم احتياطاتها النفطية، إذ تملك 17% من احتياطات النفط المُكتشَف عالمياً، وهي الأولى من حيث حجم التصدير. لكن هذا لا يلغي أنّ السعودية تستهلك جزءاً كبيراً من نفطها بنسبة تصل إلى ثلث الإنتاج، أي 3.6 ملايين برميل يوميّاً من أصل نحو 10.8 ملايين تنتجها. لذلك، توفّر الطاقة النووية بترولاً أكثر للتصدير، وتعالج مشكلات أخرى ليس هذا المقال بوارد نقاشها.

كانت المفاوضات السعودية الأميركية جاريةً بالفعل زمن إدارة الرئيس جو بايدن (2021– 2025)، على أن يكون الاتّفاق النووي جزءاً من ترتيب أوسع، فيه اتّفاق دفاعي مشترَك ومشاريع اقتصادية إقليمية تتضمن ممرّات تضمّ إسرائيل. كما كانت الصفقة تتضمّن تطبيعاً إسرائيلياً سعودياً، وكان الجدل يدور بشأن ترتيبات مثل موضوع الحقوق والدولة الفلسطينية، عندما شنّت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) هجوم 7 تشرين الأول (2023)، وما تلاه من حرب إبادة إسرائيلية في غزّة، وتصعيد إسرائيلي لتقويض أيّ أفق لدولة أو سلطة فلسطينية عموماً، ما أوقف الصفقة، لتأتي إدارة ترامب بعد ذلك.

الاتّفاق مؤشّر على تراجع الاهتمام الأميركي بهندسة نظام إقليمي أمني جديد، لمصلحة التركيز على مكاسب اقتصادية سريعة

كان متغيّر التطبيع في تلك المفاوضات ذا بُعدين أساسيَين. الأوّل: أنّ موافقة اللوبي الإسرائيلي أساسيةً لتمرير أيّ اتّفاق دفاع مشترك مع السعودية. وكانت ذاكرة الرئيس بايدن تستحضر الصعوبات التي عانتها إدارة باراك أوباما، وكان بايدن قد شغل فيها منصب نائب الرئيس، عندما أعلنت عام 2015 الاتّفاق النووي مع إيران، وحاول الجمهوريون في مجلس الشيوخ الأميركي إعاقة الاتّفاق بقوّة. ورغم اختلاف موضوع الاتّفاقَين، واختلاف وضع السعودية وعلاقتها مع واشنطن، مقارنةً بطهران، فإنّ تمرير اتّفاق دفاع يتضمّن، عدا التكنولوجيا النووية المدنية، مقدّرات عسكرية كانت ستحصل الرياض عليها، والتزامات أمنية مشتركة، تطلّب “ترضية” اللوبي الإسرائيلي. أمّا البعد الثاني في موضوع التطبيع، فهو أنّ إدارة بايدن كانت تعمل على هندسة نظام إقليمي اقتصادي تجاري جديد يتضمّن إدماج إسرائيل، سيّما ضمن ممرّات تجارية ومشاريع غاز وأنابيب تقطع الطريق على مبادرة الحزام والطريق الصينية. وكان أبرز هذه المشاريع ممرّ الهند – الشرق الأوسط – أوروبا الاقتصادي، الذي اقتُرح لمواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية. وتضمن شبكة سكك حديد عالية السرعة تنقّل البضائع من دولة الإمارات، عبر السعودية والأردن، إلى ميناء حيفا الواقع تحت الاحتلال الإسرائيلي، وهذا يتطلّب تطبيعاً سعودياً إسرائيلياً.

يعكس الاتّفاق الجديد، الذي يتطلّب موافقة الكونغرس، عدّة معانٍ ومتغيّرات، أولها التخلّي، ولو موقّتاً، عن فكرة نظام أمني إقليمي جديد، كان يجري التعبير عنه أحياناً بمسمّياتٍ، مثل “ناتو شرق أوسطي”. وقد عُقدت اجتماعات واتّصالات لمناقشة الفكرة، أهمها اجتماع شرم الشيخ في مصر، في حزيران 2022. ثاني تلك المتغيرات: مساعي بايدن للتوصّل إلى اتّفاق دفاع مشترك مع السعودية يأخذ في الاعتبار أنّ العلاقة التاريخية السعودية الأميركية تعرّضت لهزّات كبيرة، من أسبابها تراجع الاعتماد الأميركي على النفط الخليجي، بعد أن تحوّلت الولايات المتحدة إلى دولة تصدّر من النفط أكثر ممّا تستورد منذ عام 2018. ولم تعد تستورد سوى كمّيات هامشية من النفط السعودي لا تزيد كثيراً على 4% من وارداتها. ورافق هذا تراجع المظلّة الأمنية الأميركية في منطقة الخليج، فلم تتبنّ واشنطن موقفاً، مثلاً، عندما قُصفت منشآت شركة أرامكو السعودية في بقيق وخريص في أيلول 2019، ما جعل الرياض تتّجه إلى تنويع علاقاتها الدولية، بما فيها الأمنية، مع العمل على الانفتاح على إيران.

وتعرّضت إدارة بايدن لصدمة عندما رفضت الرياض زيادة ضخّ النفط لتعويض النقص المتوقّع من خطط واشنطن لفرض حصار على النفط الروسي عام 2022، وبدلاً من ذلك نسّقت مع موسكو لخفض الإنتاج والحفاظ على أسعار النفط مرتفعة، ما فرض تصوّراً لإعادة بناء العلاقات السعودية الأميركية.

قال ترامب إنّ دعم إسرائيل وتأييدها في الولايات المتحدة لم يعد يضمن مكاسب سياسية أو شعبية كما في السابق، واصفاً هذا التحوّل بأنّه “مذهل”

تبدو خطوات ترامب في الاتجاه نفسه لصياغة علاقة جديدة مع الرياض، أو بالأحرى تجديد العلاقات القديمة، لكنّ منهج ترامب هو إبرام صفقات متناثرة يعلن فيها إبرامه صفقات تخدم الشركات الأميركية الكُبرى، وتوفّر فرص عمل للأميركيين، وتقطع الطريق على الصين، وهذه الصفقة النووية مثال على ذلك. لكنّ هذا يعني، في الوقت نفسه، تراجع التفكير في اتفاقات شاملة للدفاع والتعاون الاستراتيجي أميركية – سعودية، والتعويل على خطوات وصفقات متراكمة.

النقطة الثالثة، وربّما الأهمّ (والأبرز) أنّ هناك فهماً عاماً في السياسة الأميركية أنّ قوّة اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة تتراجع كثيراً. وخير من يعلم هذا ترامب نفسه. فعلى الرغم من استمرار تحالفه مع شرائح من هذا اللوبي الذي يضمّ مجموعة من اليهود الصهاينة، كانت إحدى مناسبات تعبير ترامب عن إدراكه ذلك مكالمته الشهيرة في حزيران الفائت، عندما كشف موقع أكسيوس أنّ ترامب “صرخ في وجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مكالمة عاصفة في حزيران 2026، قائلاً: الجميع يكرهك حالياً، والجميع بات يكره إسرائيل بسبب هذا الأمر”. وهي مكالمة أكّد ترامب حدوثها.

وقبل هذا، وفي مقابلة مع الموقع الإخباري المحافظ ديلي كولر (Daily Caller)، في أيلول 2025، قال ترامب إنّ دعم إسرائيل وتأييدها في الولايات المتحدة لم يعد يضمن مكاسب سياسية أو شعبية كما في السابق، واصفاً هذا التحوّل بأنّه “مذهل”، وقال إنّ اللوبي الإسرائيلي لم يعد قوّياً كما كان. هذا كلّه لا يلغي (ولا ينهي) مشاريع أميركية لمحاولة إدماج إسرائيل في مشاريع تطبيع في المنطقة، بما في ذلك مع السعودية، لكن الجديد أنّ هذه المشاريع ليست مشروعات استراتيجيةً كُبرى، على خطورتها، بل هي مشاريع تتضمّن السعي إلى الكسب المالي لأشخاص بعينهم.

ليست المنطقة أمام تحوّلات في العلاقة الإسرائيلية الأميركية فحسب، بل في تركيبة اللوبي الإسرائيلي نفسه

لعلّ فريق ترامب، خصوصاً صهره جاريد كوشنر، ومسؤول التفاوض في فريقه ستيف ويتكوف، لا يسعيان إلى دمج إسرائيل في المنطقة لأسباب سياسية وأيديولوجية فحسب، بل يضعان نصب أعينهما، هما وغيرهما، مصالحهما الشخصية بوصفهما رَجلَي أعمال وجزءاً من مجتمع شركات ورأسماليين مرتبطين باللوبي الإسرائيلي. وقد عنونت “نيويورك تايمز”، في مطلع أيار الفائت، تقريراً عن كوشنر وويتكوف بعبارة “بزنس السلام المُربِح”، وقالت إنّهما “رجلا أعمال أوّلاً، ثمّ دبلوماسيان”.

كوشنر نفسه قال، في مناسبات عدّة، إنّه يسعى إلى استثمار أموال الخليج في إسرائيل. ومن بين التقارير التي فصّلت سعي كوشنر إلى صفقات محدّدة تربط بين الخليج وإسرائيل، بما في ذلك تمويل إعادة إعمار غزّة بوصفه فرصةً استثماريةً تجاريةً لشركات يساهم فيها، تقرير نشرته “ميدل إيست آي” في شباط 2025، بعنوان: “هل تستطيع شركة جاريد كوشنر الاستثمارية ربط أموال الخليج بخطّة ترامب لغزّة؟”.

ليست المنطقة أمام تحوّلات في العلاقة الإسرائيلية الأميركية فحسب، بل في تركيبة اللوبي الإسرائيلي نفسه، وهذا موضوع يحتاج إلى تفصيل معمّق ومتشعّب. لكن نتائج هذه التحوّلات، والجهات التي ستستغلّها، ومدى استمراريتها، أمور لا تزال خاضعةً لكثير من التفاعلات والحسابات.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق اليمن: الحوثيون يتحملون مسؤولية التصعيد
التالى نتنياهو لزيارة واشنطن…وترامب يحذّر حلفاء طهران