كتب داود رمال في “نداء الوطن”:
يشكّل قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلغاء القيود الرئاسية المفروضة على النقل الجوي بين الولايات المتحدة ولبنان تحولا سياسيًا ودبلوماسيًا يفتح الباب أمام إعادة وصل البلدين بخطوط جوية مباشرة، بعد عقود من القيود التي ارتبطت بظروف أمنية وسياسية استثنائية. وبينما يمثّل القرار خطوة متقدمة نحو تطبيع حركة الطيران، تبقى ترجمته العملية مرتبطة باستكمال الإجراءات الفنية والأمنية اللازمة، بما يجعل المرحلة المقبلة اختبارًا لقدرة الجانبين على تحويل الانفراج السياسي إلى واقع ملموس.
وقال مصدر سياسي رفيع لـ»نداء الوطن» إن «ترامب وقّع القرار الرئاسي رقم 2026-25 في 30 أيلول 2026، قبل نشره في السجل الفدرالي الأميركي في الخامس من تشرين الأول، متضمنًا إلغاء القرارات الرئاسية الصادرة في أعوام 1985 و1992 و1998 و2007، التي شكّلت الإطار القانوني للقيود المفروضة على تشغيل الطائرات من لبنان وإليه». وأوضح المصدر أن «جذور هذه الإجراءات تعود إلى عام 1985، في أعقاب اختطاف طائرة تابعة لشركة «تي دبليو إيه» وتحويل مسارها إلى بيروت، في مرحلة كانت فيها الاعتبارات الأمنية تتحكم بصورة واسعة في السياسة الأميركية تجاه لبنان».
وأضاف المصدر أن «إنهاء هذه القيود يعكس مراجعة للظروف التي قامت عليها، كما يشير إلى استعداد أميركي لإعادة النظر في بعض الأدوات التي حكمت العلاقة مع لبنان لعقود». ولفت إلى أن «الأهمية الأساسية للقرار تكمن في إزالة العائق الرئاسي الذي كان يقف أمام استئناف الرحلات المباشرة، وليس في إطلاقها بصورة فورية». واعتبر أن «عودة الطيران تتطلب استكمال تقييمات متخصصة تجريها إدارة الطيران الفدرالية الأميركية للتحقق من معايير السلامة ومنظومة الطيران المدني اللبنانية، إلى جانب التقييم الأمني الذي تتولاه إدارة أمن النقل الأميركية في مطار رفيق الحريري الدولي. وحتى الآن، لا توجد مواعيد معلنة لعودة الرحلات أو تحديد لشركات الطيران التي ستتولى تشغيلها».
وعلى المستوى اللبناني، قال المصدر إن «الترحيب الرسمي بالقرار يعكس أهمية الخطوة في سياق الجهود الرامية إلى استعادة الثقة الدولية بالمؤسسات اللبنانية وتعزيز موقع لبنان في شبكة النقل الجوي العالمي. وهو ما عبّر عنه رئيس الجمهورية جوزاف عون بتأكيده ان القرار يعتبر مؤشراً إلى الثقة بالإجراءات التي تتخذها الدولة لضمان سلامة الطيران المدني وأمن الملاحة الجوية، وهو الملف الذي كان موضع متابعة خلال لقاء عون وترامب في البيت الأبيض في تموز الماضي، كما أن الاتصالات الدبلوماسية اللاحقة، ولا سيما اللقاء الذي جمع رئيس الحكومة نواف سلام بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في أيلول، شكّلت جزءاً من المسار الذي مهّد لإنجاز القرار».
وكشف المصدر أن «هذه التطورات تظهر تداخل المسارين السياسي والتقني في العلاقات الثنائية، إذ إن التفاهمات الدبلوماسية قد تزيل العقبات القانونية، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان استئناف التشغيل ما لم تقترن باستيفاء الشروط الأمنية والفنية، والتحدي أمام لبنان يتمثل في إثبات جهوزية قطاع الطيران ومرافقه وفق المعايير الدولية، بما يحوّل الانفتاح الأميركي من إشارة سياسية إلى تعاون مستدام».
ورأى المصدر في ما يتعلّق بالجانبين الاقتصادي والاجتماعي، «أن استئناف الرحلات المباشرة يمكن أن يحقق مكاسب تتجاوز اختصار الوقت والمسافة، والجالية اللبنانية الكبيرة في الولايات المتحدة تمثل جسرًا بشريًا واقتصاديًا مهمًا، وأن سهولة التنقل من شأنها تعزيز صلاتها بلبنان، ودعم السياحة والاستثمار والتبادل التجاري، فضلا عن تسهيل حركة رجال الأعمال والطلاب والعائلات. كما أن وجود خطوط مباشرة قد يخفف أعباء السفر وتكاليفه، ويمنح لبنان فرصة إضافية لتحسين ارتباطه بالأسواق الخارجية».
في المقابل، شدّد المصدر على أن «هذه المكاسب ستظل رهنًا بمدى سرعة استكمال الإجراءات المطلوبة، وبالظروف الأمنية والاقتصادية التي تحيط بقطاع الطيران اللبناني»، ولفت إلى أن «القرار الأميركي يوفر فرصة، لكنه لا يضمن وحده تدفق الاستثمارات أو انتعاش الحركة السياحية، ما لم يترافق مع إصلاحات داخلية واستقرار مؤسسي وخدمات قادرة على استيعاب الطلب المتوقع».
يطوي قرار ترامب فصلا طويلا من القيود الأميركية على النقل الجوي مع لبنان، ويفتح نافذة لإعادة بناء الثقة وتعزيز التواصل بين البلدين. غير أن القيمة الفعلية لهذه الخطوة ستُقاس بما يليها، أي استكمال التقييمات، واستعادة الرحلات، وتحويل التقارب الدبلوماسي إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة. ومع إزالة الحظر ووبانتظار عودة الطائرات، تقف أمام لبنان فرصة لإثبات أن الانفتاح الجديد بداية لمسار أوسع نحو استعادة الثقة وتوسيع الشراكة مع الولايات المتحدة.



