مظلّة الرياض تتّسع… وطوق طهران يضيق

مظلّة الرياض تتّسع… وطوق طهران يضيق
مظلّة الرياض تتّسع… وطوق طهران يضيق

جاء في نداء الوطن:

حملت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التضامنية إلى الرياض أمس رسالة تتجاوز الحضور الدبلوماسي في لحظة تصعيد. فاستقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أوّل رئيس دولة غربي يزور المملكة منذ اشتداد الهجمات الحوثية مطلع تشرين الأوّل يضع أمن السعودية في صلب المصالح الأوروبية المباشرة. ومع وصول الاعتداءات إلى مطار الرياض ومنشآت الطاقة، تتقدّم حماية المملكة بوصفها ضرورة لاستقرار المنطقة وتأمين الإمدادات العالمية، فيما يوسّع الحوثيون، بدعم إيراني، دائرة التهديد من الأراضي اليمنية إلى الممرّات البحرية والاقتصاد الدولي.

وتكتسب الخطوة الفرنسية وزنها من اقترانها بمساهمة دفاعية ميدانية. فقد أعلن ماكرون نشر قدرات لحماية محطة ينبع النفطية والمساعدة في تأهيل المنشآت المتضرّرة. وتشكّل ينبع منفذًا استراتيجيًّا لتصدير النفط عبر البحر الأحمر، بعدما قيّدت إيران الملاحة في مضيق هرمز. ومن خلال استهداف هذا المنفذ، يضغط الحوثيون على البدائل المتاحة أمام السعودية، ويضاعفون اضطراب الأسواق. لذلك، يعكس التحرّك الفرنسي إدراكًا بأن كلفة إبقاء المملكة عرضة للاستنزاف ستصل إلى المستهلك الأوروبي، وسط احتجاجات فرنسية يُغذّيها غلاء المعيشة والطاقة.

ويجمع الموقف الفرنسي بين تعزيز الحماية والدعوة إلى استئناف المحادثات مع الحوثيين. وتبقى جدوى هذا المسار مرتبطة بقدرة الدفاعات على تقليص مكاسب التصعيد. فاستمرار ضرب المطارات والمنشآت يمنح الجماعة وسيلة ضغط تستخدمها لتحسين موقعها التفاوضي، ويجعل تحصين الأراضي السعودية شرطًا لتوازن أي تسوية.

وفي هذا المناخ، يكتسب استقبال ولي العهد السعودي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي دلالة عملية، خصوصًا مع تسليم عبد العاطي رسالة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز. فاللقاء يفتح المجال لتنسيق طبيعة المساندة وحدودها، بعدما حدّد الموقف المصري مهمّة الدعم العسكري بالدفاع عن الأراضي السعودية وحدودها، إذا طُلب ذلك، مع استبعاد مهاجمة اليمن. ويبقى الانتقال إلى التنفيذ مرتبطًا باستكمال التفويض البرلماني وتحديد الاحتياجات السعودية.

والمطلوب من القاهرة ترجمة التضامن إلى قدرة دفاعية مؤثّرة. ويكشف تحذير وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من التدخّل المصري حساسية طهران تجاه احتمال اتّساع الدعم للرياض. فتعزيز الحماية السعودية يُضيّق هامش الضغط الذي توفّره الهجمات الحوثية، ويضع الخطاب الإيراني عن تجنّب التدخّل الأجنبي أمام تناقضه مع دعم جماعة تواصل تهديد دولة مجاورة.

أما تركيا، فتقترب من تنظيم مساهمتها عبر المسار البرلماني لاتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية وباكستان. وبحسب ما أفاد نائب من الحزب الحاكم لوكالة “رويترز”، يُنتظر طلب تفويض لنشر عسكريين بعد التصديق، على أن يبدأ الدعم بفنيين وخبراء للدفاع الجوّي والحرب الإلكترونية. وهذه مساهمة يمكن أن تخدم مواجهة المسيّرات والصواريخ، إذا تحوّلت إلى انتشار فعلي وتكامل عملياتي. وتجري هذه التحرّكات في وقت تتواصل فيه المواجهات في اليمن والتهديدات للأراضي السعودية. وقد قُتل شخصان في هجوم استهدف حقل الشيبة النفطي السعودي أمس. بالتوازي، أصدرت واشنطن أمرًا بمغادرة الموظّفين غير الأساسيين في سفارتها بالسعودية وأفراد أسرهم المملكة.

وعلى الجبهة الإيرانية، رفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سقف التصعيد ضدّ طهران، معتبرًا إسقاط النظام السبيل الوحيد لإنهاء التهديد الإيراني، ومعلنًا توجيه الجيش والموساد والأجهزة الأمنية للعمل على تحقيق هذا الهدف. ولم يقتصر التصعيد على المواقف؛ إذ كشف موقع “أكسيوس” أن عشرات المقاتلات الإسرائيلية حلّقت وصولًا إلى الحدود الإيرانية الاثنين الفائت، في طلعة قدّمتها إسرائيل بوصفها تدريبًا لاستعراض القوّة وردع طهران، فيما عبّرت مصادر أميركية عن انطباع بأن غايتها ربّما كانت استدراج نيران إيرانية تمنح إسرائيل مبرّرًا للهجوم.

وتضع هذه المعطيات التحرّك العسكري في صلب الحسابات الانتخابية، خصوصًا أن التقرير كشف مقترحًا ناقشه نتنياهو مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشنّ عملية واسعة ضدّ إيران قبل الانتخابات، قبل أن يرفضه ترامب في نهاية المطاف. وبين التلويح بإسقاط النظام واحتمال إعادة إشعال الحرب، حذّر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من أن ضعف النظام الإيراني قد يدفعه إلى خطوات متطرّفة.

ومع معارضة ترامب استئناف الحرب قبل الانتخابات النصفية، تتقدّم أدوات الضغط الاقتصادي في المرحلة الراهنة. وتظهر ملامح هذا الضغط في العقوبات الأميركية على مكتب المحاماة “كارناكيس آند كارناكيس” لدعمه أنشطة الشحن الإيرانية غير المشروعة على مدى سنوات، وفي تقارير عن مطالبة بغداد بإغلاق معابر حدودية مع إيران. ويمنح إغلاق منفذ الشيب هذه السياسة أثرًا ملموسًا. وطلبت الولايات المتحدة من كلّ الدول المحيطة بإيران القيام بالأمر نفسه، وفق “فرانس برس”. وتتوقّف فعالية الحصار على اتساع التطبيق واستمراره والحدّ من الالتفاف عليه، فيما يبقى تحوّله إلى تنازلات سياسية إيرانية أمرًا مستبعدًا.

وفي ختام هذا المشهد، يأتي إعلان اجتماع المرشد الأعلى مجتبى خامنئي مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف لاستعراض مستجدّات الحرب، فيما يستمرّ غياب المرشد عن الظهور العلني. ويقدّم الإعلان صورة عن متابعة القيادة الإيرانية للمواجهة، لكنه يترك السؤال الأهمّ مفتوحًا حول قدرتها على تحمّل تراكم الضغوط. فكلّ تقدّم في حماية السعودية وتضييق منافذ طهران يرفع كلفة الرهان على الحوثيين، ويختبر قدرة النظام على مواصلة التصعيد من دون استنزاف إضافي لموارده وموقعه.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق ترامب: نحن أقرب ما كنا عليه لإنهاء حرب أوكرانيا
التالى قتلى في هجوم على حافلة تقل موظفي شركة سورية خاصة