كتب عماد الشدياق في “نداء الوطن”:
مع توقف الملاحة في مضيق هرمز بفعل الحرب على إيران، لم تعد صدمة الطاقة احتمالًا نظريًا وإنما تحوّلت إلى محرّك يوميّ للأسعار في بلدٍ مثل لبنان يشتري جزءًا كبيرًا من حاجته من حوض البحر المتوسط لا من الخليج، لكنه يدفع الفاتورة بالدولار على سعر البراميل عالميًا.
الخوف في لبنان ليس فقط من نقصٍ مباشر في شحنات المحروقات، بل من عودة منطق “الخطر الجيوسياسي” ليصبح بندًا ثابتًا في سعر كلّ ليتر بنزين، وكذلك من توسّع دائرة الاستهداف لتشمل كامل البنية التحتية الخاصة بالطاقة في دول الخليج. وهذا يفسّر لماذا يرى كثيرون أن أسباب الارتفاع تنحصر عمليًا في مسارين:
1. قدرة إيران على تعطيل حركة العبور في هرمز أو التحكّم بها.
2. قدرة الفصائل الحليفة لها في المنطقة على رفع مستوى المخاطر عبر ضرب منشآت أو مرافئ أو خطوط تصدير في المنطقة.
في الحالتين، لا تحتاج الأسواق إلى توقفٍ كامل حتى تقفز الأسعار، وإنما يكفي أن تترجم شركات الشحن والمصارف وشركات التأمين كلمة الـ “لا يقين” إلى أرقام إضافية على كلّ شحنة، فتتحوّل إلى زيادة مباشرة على المستهلك اللبناني.
في لبنان، الصورة أكثر تركيبًا: قد لا تختفي المادة من السوق بسرعة، لكن التسعير سيتأثر فورًا. وفي هذا السياق، يقول نقيب أصحاب محطات الوقود في لبنان جورج براكس في اتصال مع “نداء الوطن”، إن لبنان “لن يتأثر بالمعروض من المحروقات” وذلك بسبب “المخزون الموجود والذي يكفي لمدّة لا بأس بها، وطالما البحر مفتوح والبواخر تستطيع الوصول إلى الشواطئ اللبنانية فلا مشكلة على الإطلاق”، خصوصًا أن لبنان يستورد المحروقات من حوض البحر المتوسط وليس من الخليج العربي المتأثر بمضيق هرمز.
أمّا لناحية التسعير فإن الأمر مختلف، إذ يكشف براكس أن سعر المحروقات سيبدأ بالارتفاع اعتبارًا من اليوم (الجمعة) إذ ستبدأ أول موجة ارتفاعات في التأثير على جدول تركيب الأسعار، الذي يعتمد على آخر 3 أسابيع في أسعار البورصة العالمية. إذ من المتوقع أن يرتفع سعر صفيحة البنزين قرابة 20 ألفًا نهاية الأسبوع… وكلّما تقدّمنا في الأسابيع ارتفع سعر الصفيحة، وطالما أن الأزمة مستمرّة فإن الأسعار ستواصل الارتفاع.
يقول براكس إن يوم الجمعة الفائت، أي قبل اندلاع الحرب بيوم واحد، كان سعر برميل النفط يُتداول ما بين 66 و 67 دولارًا وهو رقم مرتفع. ويضيف: “جزء من هذا الارتفاع كان نتيجة التأثيرات الجيوسياسية التي سبقت الحرب والمخاوف من اندلاعها، وفي نهاية الأسبوع كانت البورصة مقفلة، لكن يوم الإثنين افتُتحت السوق على زيادة قُدرت بنحو 13 دولارًا (ارتفع سعر البرميل إلى 80 دولارًا) بينما وصل سعره يوم الأربعاء إلى 84 دولارًا”، بينما من المرجح أن يصل سعر البرميل إلى 100 دولار مستقبلًا، في حال استمرّ الوضع على حاله في الخليج العربي وفي مضيق هرمز.
ويمثل مضيق هرمز اليوم “نقطة اختناق” عالمية، حيث يمرّ عبره نحو 21 مليون برميل يوميًا. أي ما يقارب ثلث صادرات النفط الخام عالميًا، إضافة إلى نحو خُمس صادرات الغاز الطبيعي المُسال (20 %). وعندما تتوقف هذه الحركة، أو حتى عندما تصبح محفوفة بالمخاطر، فإن السوق تبدأ بتسعير “الأسوأ” قبل حدوثه.
الأثر الأوسع سيظهر في آسيا، لأن ثلاثة أرباع النفط الخام الذي يعبر هرمز يتجه نحو الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. وبالتالي، فإن أيّ تعطّل طويل في هذا المسار لا ينعكس فقط على فواتير الطاقة، بل على سلاسل الإنتاج العالمية بأكملها: مصانع تعمل بكلفة أعلى، شحن أبطأ وأغلى، وتضخم يتغذى من الطاقة قبل أن ينتقل إلى الغذاء والسلع والخدمات. ومن هنا يصبح الحديث عن ركود عالمي احتمالًا حقيقيًا إذا طال الإقفال.
في المقابل، هناك عامل إضافي يضغط على الأسعار: التأمين. فالهجمات التي شنتها إيران على القواعد الأميركية وعلى مصافٍ نفطية في دول خليجية عدّة، رفعت تكلفة التأمين على ناقلات النفط والغاز، ما يعني أن كلفة الطاقة سوف ترتفع حتى لو لم ينقص المعروض فعليًا. الأخطر أن بعض شركات التأمين بدأت ترفع أسعار بوالص التأمين لكلّ السلع المتوجّهة إلى الشرق الأوسط، فيما اتجه بعضها إلى رفض إصدار بوالص تغطّي الملاحة ضمن الخليج العربي. وهو ما سينعكس على الأسعار مباشرة لتضاف إلى كلّ شحنة، وتظهر لاحقًا على فاتورة المستهلك النهائي.
أمّا إيران، فيبدو أنها تتحرّك ضمن هامش معقد. هي قادرة على الضغط عبر المضيق، لكنها ليست متحمّسة لخنق التدفق بالكامل، لأنها سوف تحتاج إلى عائدات النفط. أضف إلى ذلك أن أكبر زبائن النفط لديها، الصين، وتقف في صفها سياسيًا، لكنها لا تستطيع تحمّل صدمة طاقة طويلة تضرب اقتصادها وسلاسلها الصناعية.
إذًا، الأزمة قد تكون عالمية، لكن في لبنان تحديدًا قد لا تبدأ من محطات الوقود كمشهد “شحّ” و “طوابير”، لكنها ستدخل سريعًا من باب “التسعير”. وإذا كانت البلاد اعتادت في السنوات الأخيرة أن تتلقى الصدمات على شكل زيادات متتالية، فإن “صدمة هرمز” أخطر لأنها صدمة عالمية، لا يمكن للبنان أن يعزل نفسه عنها، حتى لو كان يستورد من المتوسط، طالما أن السعر الذي يدفعه مرتبط بسعر العالم وبخوفه.



