“الحزب” في التصنيف الأميركي الجديد ـ القديم: ماذا تغيّر؟

“الحزب” في التصنيف الأميركي الجديد ـ القديم: ماذا تغيّر؟
“الحزب” في التصنيف الأميركي الجديد ـ القديم: ماذا تغيّر؟

كتبت بولا أبي حنا في “نداء الوطن”:

هل لنا أن نسأل: ماذا يعني، سياسيًا وقانونيًا، أن تعيد الولايات المتحدة تصنيف “حزب الله” اللبناني على أساس أنه يعمل “في خدمة النظام الإيراني وتحت قيادة الحرس الثوري الإيراني – قوة القدس”؟ وهل نحن أمام مجرد إجراء عقابي جديد، أم أمام إعادة رسم لطبيعة الطرف الذي تتعامل معه واشنطن في الملف اللبناني؟

في 20 آب، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية إعادة تصنيف “حزب الله”، مؤكدة، بصورة أكثر صراحة من السابق، علاقته بالحرس الثوري الإيراني، ولا سيما قوة القدس. ولم تكتف واشنطن بالإشارة إلى أن “الحزب” مدعوم من إيران، بل جعلت من خضوعه للقيادة الإيرانية أساسًا في إجراء التصنيف الجديد.

وهنا تبدأ المسألة الأكثر إثارة للاهتمام.

إذا كانت الولايات المتحدة تقول رسميًا إن “حزب الله” ليس مجرد تنظيم لبناني مستقل يتلقى دعمًا من إيران، وإنما يعمل في خدمة النظام الإيراني وتحت قيادة قوة القدس، فهل يعني ذلك، في الحساب السياسي الأميركي، أن مفتاح “حزب الله” موجود في طهران؟

السؤال ليس افتراضيًا. فقد كانت جولات التفاوض في روما بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، تدور، في جانب أساسي منها، حول سلاح “حزب الله” ومستقبل الوضع الأمني في الجنوب. وقد عقد الطرفان الجولة السابعة في مطلع آب، إلا أن الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمها سلاح “الحزب” وترتيبات الانسحاب الإسرائيلي، بقيت موضع خلاف.

ومن هنا يمكن قراءة الخطوة الأميركية الأخيرة من زاوية أخرى: ماذا لو كانت واشنطن، بعدما اصطدمت في روما بحدود التفاوض غير المباشر حول “حزب الله”، قد قررت نقل جزء من المعادلة من بيروت إلى طهران؟

بمعنى آخر: إذا كانت واشنطن تعتبر أن “حزب الله” يتحرك تحت قيادة الحرس الثوري، فلماذا تبقى كل تبعات التفاوض مرتبطة حصرًا بالدولة اللبنانية؟

هنا تظهر مفارقة دقيقة.

الولايات المتحدة تقول، من جهة، إن “حزب الله” كيان لبناني يقع تحت طائلة العقوبات الأميركية، لكنها تقول، من جهة أخرى، إن قراره العسكري ليس مستقلا عن إيران. فإذا كانت طهران هي صاحبة التأثير الحاسم في القرار العسكري للحزب، فإن أي تفاهم أميركي ـ إيراني حول الملفات الإقليمية قد يتحول، بصورة غير مباشرة، إلى تفاهم له انعكاس على الساحة اللبنانية.

وهذا لا يعني، بالطبع، أن أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يصبح تلقائيًا ملزمًا لـ “حزب الله” من الناحية القانونية. فالقانون الدولي لا يسمح ببساطة بتحميل تنظيم غير دولتي التزامًا ناشئًا عن اتفاق بين دولتين لم يكن طرفًا فيه. لكن المسألة هنا ليست قانونية فقط؛ إنها سياسية بالدرجة الأولى. فإذا كانت واشنطن نفسها تصف “الحزب” بأنه يعمل تحت قيادة إيرانية، يصبح من المنطقي أن تسأل: هل ستتعامل معه مستقبلا كطرف لبناني مستقل في كل ملف، أم كجزء من النفوذ الإيراني الذي يمكن التفاوض عليه مع طهران؟

وهنا تكمن المفارقة اللبنانية الكبرى.

فإذا كانت واشنطن ستتفاوض مع إيران على أساس أن إيران قادرة على التأثير في “حزب الله”، فإنها تكون عمليًا قد وجدت قناة أخرى لمعالجة عقدة عجزت طاولة روما عن حلها. وفي الوقت نفسه، تكون قد تجنبت إحراج الدولة اللبنانية في مسألة شديدة الحساسية: كيف يمكن لدولة أن تتفاوض مع تنظيم مسلح موجود داخل أراضيها، من دون أن تمنحه صفة الدولة أو الاعتراف به طرفًا مساويًا لها؟

قد يكون المخرج الأميركي، إذا صحت هذه القراءة، في القول: نحن لا نتفاوض مع “حزب الله” كدولة، ولا نعطيه شرعية تفاوضية مستقلة؛ نحن نتفاوض مع إيران بشأن نفوذها والتزاماتها الإقليمية، ومن ضمنها قدرتها على التأثير في “حزب الله”.

وهنا يصبح السؤال أخطر: هل تكون واشنطن قد أسقطت، من حيث لا تريد أو تريد، صفة “الطرف اللبناني المستقل” عن “حزب الله” في العملية التفاوضية؟

فالولايات المتحدة، بإصرارها على وصف “الحزب” بأنه يعمل تحت قيادة الحرس الثوري، لا تمنحه صفة الدولة، بل تفعل العكس تمامًا. إنها تضعه في خانة “الفاعل غير الدولتي المرتبط بدولة أخرى”. وهذا التصنيف قد يكون مهمًا جدًا في أي تسوية مقبلة، لأنه يسمح لواشنطن بأن تقول إن الملف لا يحتاج بالضرورة إلى طاولة ثلاثية: لبنان ـ إسرائيل ـ “حزب الله”، بل يمكن أن تتم معالجة جانب منه عبر الدولة اللبنانية مع إسرائيل، وجانب آخر عبر الضغط أو التفاوض مع إيران.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن ما يجري ليس مجرد تشديد للعقوبات على “حزب الله”. إنه ربما إعادة تعريف لموقع “الحزب” في الخريطة التفاوضية للمنطقة.

لكن هناك سؤالًا آخر لا يقل أهمية: ماذا عن الدولة اللبنانية؟

إذا أصبحت واشنطن تعتبر أن القرار العسكري لـ “حزب الله” مرتبط بإيران، فإن ذلك يمكن أن يقوّي حجة الدولة اللبنانية أمام المجتمع الدولي بأنها ليست صاحبة القرار في ما يتعلق بالسلاح غير الشرعي، وأن الحل لا يمكن أن يكون لبنانيًا صرفًا. لكنه، في المقابل، يضع لبنان أمام خطر أكبر: أن يتحول إلى ساحة تنفيذ لتفاهمات تعقد بين قوى إقليمية ودولية، فيما تكون الدولة اللبنانية حاضرة في الشكل أكثر مما هي صاحبة القرار في الجوهر.

وهنا تحديدًا ينبغي أن نتوقف.

لأن الاعتراف الأميركي بعلاقة “حزب الله” بالحرس الثوري لا يجب أن يتحول إلى ذريعة لتجاوز الدولة اللبنانية. فإذا كانت واشنطن تريد معالجة النفوذ الإيراني في لبنان، فالمسار الطبيعي يجب أن يؤدي في النهاية إلى تعزيز الدولة اللبنانية، لا إلى اختصارها.

أما إذا كان المقصود هو استخدام طهران للضغط على “حزب الله”، فإن السؤال يصبح: هل تستطيع إيران فعلا أن تقدم لواشنطن ما عجزت الدولة اللبنانية عن تقديمه؟ وهل تستطيع أن تضمن أن أي تفاهم مع الأميركيين سيُترجم لبنانيًا؟

حتى الآن، لا توجد إجابة قاطعة.

لكن التوقيت يستحق التوقف عنده. فإعادة التصنيف الأميركية جاءت بعد جولة جديدة من مفاوضات روما، وفي ظل تعثر واضح حول ملف سلاح “حزب الله”، وفي الوقت نفسه الذي تشهد فيه القنوات الأميركية ـ الإيرانية نفسها أزمة وتوترًا شديدين.

لذلك، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل تفاوض أميركا “حزب الله”؟

بل السؤال الأهم هو: هل قررت واشنطن أن مفتاح التفاوض مع “حزب الله” موجود في طهران؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإننا نكون أمام تحول أساسي في قواعد اللعبة. فبدلا من أن يكون “حزب الله” عقبة لبنانية أمام التفاوض، يصبح جزءًا من ملف إقليمي أوسع عنوانه النفوذ الإيراني.

وعندها يصبح لبنان أمام معادلة شديدة الدقة: أن تستفيد الدولة من أي تفاهم إقليمي يرفع عنها عبء السلاح خارج سلطتها، من دون أن تسمح، في المقابل، بتحويل سيادتها إلى ورقة تفاوض بين واشنطن وطهران.

فلبنان لا يستطيع أن يفاوض على سيادته عبر الآخرين.

وإذا كان مفتاح “حزب الله” في طهران، فإن مفتاح لبنان يجب أن يبقى في بيروت.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق تمشيط إسرائيلي بالرشاشات في الخيام
التالى عون يفتح نافذة لبنان في قلب القرار الأميركي