عودة إماراتية استثمارية إلى لبنان بنكهة سياسية

عودة إماراتية استثمارية إلى لبنان بنكهة سياسية
عودة إماراتية استثمارية إلى لبنان بنكهة سياسية

كتب وسام أبو حرفوش وليندا عازار في “الراي الكويتية”:

فيما كانت الولايات المتحدة تكرّس عبر سفيرها ميشال عيسى، مقاربتها لملف لبنان على قاعدة التريّث في استئناف «المفاوضات التقنية» في روما وربْط وقف إسرائيل اعتداءاتها، بسحْب سلاح «حزب الله» أو تَعَهُّد الأخير بذلك ولو في بيانٍ، وربْط التفاوض «الممكن» بـ «إذا كان لديه شيء يقدّمه» في موضوع ترسانته العسكرية، لفحت بيروت طلائع «رياح ثقة» خليجية مستعادة بالمسار الذي تنتهجه السلطة منذ انتخاب العماد جوزاف عون، رئيساً وتشكيل حكومة الرئيس نواف سلام، على صعيد إيحاء مقومات «الدولة الطبيعية» صاحبة السيادة الحصرية على أرضها وقراريْ الحرب والسلم.

وإذ اكتسبتْ مواقفُ عيسى، التي أَطْلَقَها بعد زيارته مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبداللطيف دريان، أهميةً خاصة لأنها جاءت وسط موعد «معلَّق» لاستنئاف مفاوضات روما والتي أضفى السفير الأميركي على اجتماعاتها طابع «تُعقد بحسب الحاجة» أي «لحلحة نقطة معينة» إذا وُجدت، نازعاً بذلك عنها صفة «الطاولة الدورية»، فإنّ الملتقى الاقتصادي اللبناني – الإماراتي الذي بدأ أعماله في بيروت، أعطى إشارةً متقدمة إلى بدء «عودة الخليج» الوازنة إلى «بلاد الأرز» التي أطلقتْ ورشةَ ربْطٍ متعددة البُعد مع النظام الإقليمي الجديد الذي ينبثق على أساس سياسي عنوانه طيّ صفحة «الدول الناقصة» وعدم التهاون مع «تَشَظي» السيادة داخلها لمصلحة تنظيماتٍ مسلّحة خارج الشرعية.

وفيما انطوتْ مواقف السفير على تثبيتٍ لتراتبيةِ إنجاز آليةِ تَحَقُّقٍ وتطبيقها أولاً على مستوى المنطقة التجريبية الأولى التي اعتُمدت في جنوب لبنان (لجهة الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وتفكيك بنية الحزب العسكرية فيها ومنْعه مِن العودة إليها) وبعدها يصار للإسراع في المسار التسلسلي لهذه المناطق، مع ردّه على سؤال حول معركة تلة علي الطاهر «بأن هذا أمر يحصل حالياً ولا أعرف كيف سيتقدّم وسنرى ماذا يحصل في اليومين المقبلين»، فإنّ وجود أكثر من 80 رجل أعمال إماراتي في بيروت على رأسهم وزير التجارة الخارجية الإماراتي ثاني بن أحمد الزيودي، عَكَسَ ثقةً متزايدة بلبنان «اليوم التالي» للحرب والذي ينسجم مع «الإقليم المفيد» الذي ترتسم خرائطه في الممرات والتحالفات وداخل أسوار الدول التي تكسر «قيود» الدويلات على منظومة التحكم والسيطرة بقراراتها ومستقبلها.

واعتبرت أوساط مطلعة أن الملتقى الذي يستمر حتى الخميس، والذي شهد توقيع اتفاقاتٍ استثمارية واستكشاف آفاق الشراكة في مجالات عدة، بينها بطاقة الهوية الذكية، وتطوير أنظمة الجمارك في المطار والمرفأ والمعابر الحدودية، إلى جانب المنشآت النفطية، كما أوردت صحيفة «النهار»، يؤكد المؤكد لجهة أن طريق التعافي التي بدأت «بلاد الأرز» تتلمّسها وكان من مظاهرها الرئيسية ايضاً إلغاء الرياض الحظر عن الصادرات اللبنانية اليها يمرّ عبر «ضمانات سياسية – سيادية” تشكّل واقعياً “الضمادات الوحيدة” لوقف “نحر” الوطن الصغير لحساب ساحات أخرى ومصالح محور إيران وتالياً إنهاء النزيف المالي واستنزاف الأرواح والموارد في معارك لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية.

وترى الأوساط المطلعة أن الاحتضان الخليجي الذي يتّسع لبيروت، يأتي في سياق ملاقاة الخطوات التي قامت بها السلطة على صعيد إعلاء منطق الدولة بوجه حزب الله وسلاحه، ولو “دفترياً، وصولاً لإمساكها بزمام التفاوض المباشر مع اسرائيل برعاية أميركية وحجب التأثير الإيراني في هذا الملف السيادي بامتياز، بما يجعلها تالياً تشْبك مع المتغيرات الجيو – سياسية في المنطقة وتمتثل لمبادىء مركزية الدول وحصريتها السيادية والتي تطلّ برأسها من سورية (دمج “قسد”) مروراً بالعراق وصولاً إلى لبنان.

ووفق هذه الأوساط، فإن كل خطوة تصبّ في خانة الربط الإيجابي مع ما بعد إخماد جبهة لبنان لمرة واحدة وأخيرة، تعمّق تأكيد انتهاء صلاحية “اقتصاد الحرب والممانعة” وأن ربط مصير شعب بأسره، ولقمة عيشه، ومدخراته، ومستقبل شبابه، بأجندة إقليمية مفتوحة الشهية على الحروب والإسناد ليس إلا وصفة لاستمرار الموت السريري للوطن الصغير، وأن السيادة شرط أولوي للتعافي الذي يشتمل أيضاً في مرحلة لاحقة على إعادة الإعمار ومحو آثار “مطحنة” الدم والدمار المفتوحة منذ خريف 2024.

الرجاء قبول الموافقة على ملف تعريف الارتباط

وقد أكد وزير التجارة الخارجية الإماراتي، أن نجاح العلاقات الاقتصادية بين الدول يُقاس بعدد الشراكات التي تُبنى والاستثمارات التي تُنفذ، معتبراً المشاركين في الملتقى شركاء أساسيين في صوغ التعاون الاقتصادي بين لبنان والإمارات.

وقال «لدينا أسس قوية للانطلاق نحو آفاق أرحب من التعاون التجاري والاستثماري، وهناك إمكانات كبيرة متاحة لمواصلة تطوير شراكتنا الاقتصادية في السنوات المقبلة».

وكان سلام، أجرى اتصالاً بنائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نوّه خلاله بأهمية زيارة الوفد الإماراتي الذي يضم نحو 80 رجل أعمال ومستثمراً من قطاعات مختلفة، وما تحمله من تأكيد على استعادة الثقة بلبنان بين أشقائه العرب، ومن فرص لتعزيز التعاون وتمكين الشراكة في مختلف المجالات.

ونقلت «وكالة وام للأنباء» الإماراتية عن عبدالله بن زايد، إشادته بالجهود التي تقوم بها الحكومة لترسيخ أمن لبنان واستقراره، وسيادته ووحدة أراضيه، مؤكداً دعم الإمارات الكامل لهذه الجهود ووقوفها الدائم إلى جانب الشعب اللبناني، بما يسهم في تحقيق تطلعاته إلى الأمن والاستقرار والتنمية والازدهار المستدام.

تفهم لموقف إسرائيل

وعلى وقع هذه الانفراجة الاقتصادية ذات الوجه السياسي، جاءت مواقف السفير الأميركي لتؤكد دقة اللحظة اللبنانية في ضوء شدّ إسرائيل «حزام النار» حول الجنوب ولا سيما المنطقة الأمنية ومحيطها، وسط تحفُّز لإطلاق معركة علي الطاهر وما بعدها، وتشدُّدٍ مقابل من «حزب الله» في مواجهة السلطة في بيروت وربما الاندفاع بوجه تل أبيب في حال اقتضت ذلك ظروف «حرب البقاء» الاقتصادي التي وجدت إيران نفسها فيها جراء لجوء واشنطن إلى «السلاح الأبيض» المالي – التجاري.

وقد أظهر عيسى، تفهُّماً جديداً لموقف إسرائيل القائم على ربْط الانسحاب ووقف النار بسحب سلاح «حزب الله» وقيام الأخيرة بمبادرة ما ولو كلامياً عوض أن يُطلب كل شيء من إسرائيل لوحدها.

وقال «لم تتوقف المفاوضات التي نقوم بها في روما، فهي مفاوضات تقنية، يعني أنه ليس من الضروريّ أن يكون لها موعد معين، وإذا طرأ ما يستوجب التدخل والإصلاح تدخّلنا وأصلحنا. أما المفاوضات المتعلقة بالسيادة، فنتحقق منها مسبقاً ويكون لها date معين، لضبط المواعيد حتى لا تتداخل معاً».

وتابع أن «الاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف، وتجري مبدئياً خارج المنطقة التجريبية ونحن لم نتفق معهم حتى الآن على وقف الاعتداءات، طيب ليش ما حزب الله بيعمل شيء من عنده كمان؟ يعني لماذا لا يُصدر بياناً مثلاً يقول فيه أفعل ذلك إذا قام الإسرائيليون بهذا الأمر. انتم تطلبون من الإسرائيليين أن ينسحبوا، لكنكم لا تقولون إن حزب الله يجب أن يسلم سلاحه مثلاً»؟

وأضاف «كل طرف ينبغي أن يقوم بشيء من هنا ومن هناك. الحزب لم يقل مرة أنه سيفعل شيئاً بل يكرر أنه يريد الابقاء على سلاحه، وممنوع حداً يجي». فلماذا تطلبون من إسرائيل؟»

وعن إمكان التحدث مع«حزب الله»، أجاب:«ولا مرة قلنا نحن إننا سنتفاوض مع الحزب. ونحن مستعدون ان نتفاوض معه إذا كان عنده شيء يقدمه لنا. أما أن نذهب لمجرّد أن نحكي ونقوم بزيارات ونشرب قهوة فـ… مش زابطة».

خيار التفاوض

في موازاة ذلك، رفع عون، سقف مواقفه التي تؤكد صوابية خيار التفاوض، مؤكداً«اننا اتخذنا قرار المفاوضات لتفادي الويلات والمآسي التي سببتْها الحرب».

وقال«صحيح أنها ليست سهلة وسريعة وهناك عراقيل وصعوبات ولكنها تبقى أفضل بكثير من الحرب. نحن نلتقي على الأهداف نفسها: تحرير الجنوب ونشر الجيش حتى الحدود، واسترجاع الأسرى وعودة الأهالي وإعادة الإعمار، وهذا لا يمكن تحقيقه بالحرب وفق ما تبيّن، فلا خيار بالتالي إلا التفاوض».

وأعلن«اننا بدأنا مع هذه الحكومة معالجة مسألة الفساد الذي كان مستشرياً على مدى سنوات، ونحن نخوض حرباً ضد البعض الذي يرفض منطق الدولة، فيما نحن نريد الدولة»، مؤكداً أن «الحكومة اتخذت إجراءات ليست كافية ضمن الإصلاحات الاقتصادية والمالية، لكنها حققت نمواً وكنا نتوقع زيادته هذه السنة، إلا ان الحرب قضت على هذا الأمل. وعلى الرغم من كل ذلك، لايزال لبنان صامداً ومؤسساته قائمة».

في المقابل، صعّد الحزب بلسان نائبه حسين جشي، الذي توجه لعون وسلام بـ «أنّ التلطي خلف موضوع حصر السلاح في ظل الاحتلال والعدوان يندرج في إطار المؤامرة الوجودية على شعب لبنان الأبي المقاوم، وأن المقاومة لن تسمح بذلك مهما غلت التضحيات»، «ولله رجال إذا أرادوا أراد».

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق العراق يواجه… ولبنان يفاوض
التالى عون يفتح نافذة لبنان في قلب القرار الأميركي