حرائق “الميغا” تهدد العالم… ولبنان ليس بمنأى عن الخطر

حرائق “الميغا” تهدد العالم… ولبنان ليس بمنأى عن الخطر
حرائق “الميغا” تهدد العالم… ولبنان ليس بمنأى عن الخطر

كتبت زيزي إسطفان في “نداء الوطن”:

الحرائق تلتهم العالم بنهم وشراسة لم يعرفهما التاريخ من قبل… ليست هذه رؤية أبوكاليبتية لنهاية العالم، بل واقع كارثي تعيشه مناطق كثيرة، وما عاد منه مفرّ. لم تعد حرائق الغابات مجرد كوارث موسمية تبدأ بشرارة وتنتهي بعمليات إخماد مبرمجة، بل صار العالم أمام ظاهرة جديدة تُعرف باسم “حرائق الميغا”، وهي حرائق ضخمة وعنيفة، أكثر تقلّبًا وصعوبة في التنبؤ بمسارها، وتتجاوز أحيانًا القدرة على السيطرة عليها، فتدمّر الطبيعة وتهدّد المدن. أوروبا، وكندا، والولايات المتحدة، وإندونيسيا، وسواها، شهدت هذه الظاهرة، فهل لبنان بمنأى عنها، أم أن حرائقه من نوع آخر؟

في جرود البترون، وبالقرب من أرز تنورين، اندلع حريق كبير كاد يهدد الغابة الدهرية، حيث وجدت فرق الدفاع المدني صعوبة في إخماده، لكن بجهود عشرة مراكز مشتركة، تم تطويق النيران، ومن ثم إخماد الحريق وتبريد المنطقة منعًا لنشوبه من جديد. وفي حين استطاع رجال الدفاع المدني في لبنان إخماد هذا الحريق وحرائق مكسي والمريجات وجب جنين وبسري وغيرها، فإن العالم، من جهته، يشهد حرائق هائلة تصعب السيطرة عليها، ويبدو صيف 2026 واحدًا من أكثر فصول الصيف حرارة، بفعل التغيّر المناخي من جهة، وظاهرة “السوبر نينيو” من جهة أخرى.

نار تتجاوز حدود الحريق

حتى أواخر شهر آب من هذا العام، ووفق المركز اللبناني للبحوث العلمية، بلغ عدد حرائق الغابات في لبنان 199 حريقًا، فيما بلغ عدد حرائق الأشجار المثمرة 85 حريقًا، وحرائق الأعشاب اليابسة 629 حريقًا، هذا عدا عن حرائق مولدات الكهرباء وغيرها. ولبنان دومًا تحت خطر الحرائق، لا سيما مع اقتراب شهر أيلول، الذي يُعتبر الموسم الملائم لها مع ارتفاع الحرارة والجفاف، ولا يزال مؤشر خطر اندلاع الحرائق مرتفعًا، مع تسجيل أعلى مستوى من الخطورة في أقضية عكار والشوف والمتن وجبيل.

هذا على مستوى الحرائق الطبيعية، أما في الجنوب فالخطر يومي، ونار الحرب طالت نحو 7300 هكتار من الأراضي، وفق تقارير المجلس العلمي، بين شباط وحزيران 2026، وأصابت أشجارًا معمّرة وأحراجًا وبساتين زيتون وأراضي زراعية. وللأسف، يبدو حبل الحرائق على الجرار مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب، وتأثيراتها السلبية على البيئة والإنسان في تصاعد.

وتختلف الحرائق الناتجة عن الأعمال الحربية، وفق ما يشرحه المهندس والخبير البيئي حسان صفا، عن الحرائق العادية من حيث ظروف اندلاعها وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتضررة لإخمادها. فاستمرار العمليات العسكرية قد يحدّ من قدرة فرق الإطفاء على الوصول إلى جميع الأماكن المشتعلة والتعامل معها في الوقت المناسب، الأمر الذي يسمح بامتداد النيران إلى مساحات إضافية.

كما أن تكرار الحرائق في المنطقة نفسها يزيد من صعوبة عودة الغطاء النباتي إلى وضعه الطبيعي. بعض الأشجار تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تستعيد نموها، بينما تحتاج الأشجار المعمّرة إلى فترات أطول بكثير. ومع استمرار تدهور الغطاء النباتي، تصبح التربة مكشوفة وأكثر تعرضًا للانجراف والتعرية، خصوصًا عند هطول الأمطار. ولا تتوقف آثار الحرائق عند انتهاء النيران، إذ يبقى الرماد وبقايا الاحتراق على سطح الأرض، ويمكن أن تنتقل هذه المواد مع الرياح أو مياه الأمطار إلى مناطق مجاورة. كما أن فقدان الأشجار التي كانت تمسك التربة بجذورها يزيد من احتمال انجرافها، وقد تنتقل أجزاء من التربة والرماد إلى مجاري المياه والينابيع الموجودة بالقرب من المناطق المحترقة، ويزداد خطر تلوث التربة والجو والمياه في حال وجود الفوسفور.

على صعيد الجو، فإن دخان الحرائق لا يبقى محصورًا في مكان الحريق، بل يمكن أن ينتقل إلى المناطق المحيطة بحسب اتجاه الرياح، ما يؤدي إلى تراجع جودة الهواء في المناطق القريبة، لا سيما إذا كان الاحتراق لا يتوقف فقط على النباتات بل يطال مواد مصنعة مثل الكاوتشوك المتواجد في إطارات السيارات وغيره من المواد الكيميائية. وهو الأمر الذي شكا منه بشكل كبير أهالي المناطق الواقعة حول الدكوانة، إثر اندلاع حريق كبير في أواخر شهر حزيران الماضي في مستودع تابع لأوجيرو يحتوي على كابلات وألياف ضوئية. وقد شكا المواطنون من مشاكل تنفسية حادة بسبب استنشاق غاز الديوكسين وأول أوكسيد الكاربون والجزيئيات الدقيقة الناجمة عن اشتعال البلاستيك وغيره من المواد المصنعة.

أما على مستوى الحياة البرية، فيقول صفا إن احتراق الأحراج يؤدي إلى تراجع المساحات التي تستخدمها الحيوانات والطيور مأوى ومصدرًا للغذاء. وقد تكون آثار ذلك أكبر في المناطق التي تحتوي على غابات وأحراج قديمة، لأن هذه المناطق لا يمكن تعويضها بسرعة، ولأن عودة النظام البيئي إلى حالته السابقة تحتاج إلى وقت طويل جدًا.

وبذلك، فإن الحرائق التي تطاول جنوب لبنان نتيجة الأعمال الحربية يجب ألا ينظر إليها باعتبارها مجرد حرائق موقتة تنتهي آثارها بانتهاء النيران. فالضرر يمتد إلى الأشجار والتربة والمياه والحياة البرية والزراعة، وتحتاج المناطق الحرجية والزراعية المتضررة إلى متابعة حالتها لسنوات بعد انتهاء الحريق.

حين تتحول النار إلى وحش يسير على هواه

رغم أذى الحرائق التي يشهدها لبنان نتيجة القصف الإسرائيلي من جهة، أو عوامل طبيعية وبشرية من جهة أخرى، فإن هذا البلد الصغير لم يشهد ما بات يُعرف عالميًا بـ”الميغا حرائق”، وإن كانت حرائق الغابات قد ازدادت ضراوة في السنوات الماضية، كما حدث في صيف 2019، حين التهمت الحرائق الكبيرة مناطق واسعة في إقليم الخروب والشوف والدامور، وصَعُبت السيطرة عليها، ما استدعى مشاركة طوافات من قبرص واليونان وتركيا.

لكن لبنان، كما يقول الخبير البيئي حسان صفا، بتركيبته المتوسطية، ليس بمنأى عن الخطر. فالحرارة المرتفعة والجفاف وتراجع الرطوبة والرياح، كلها عوامل تجعل الأحراج اللبنانية أكثر هشاشة أمام النار. ويُضاف إليها تراجع الغطاء الحرجي، والتمدّد العمراني، والنشاطات الإنسانية والصناعية، وأزمات النفايات والمولدات التي ترفع درجات الحرارة.

أما عالميًا، فتحوّلت “الميغا حرائق” إلى ظاهرة خطرة جدًّا، وما شهدته جزر كريت وسلاميس وسلمونس اليونانية من حرائق هدّدت السكان والمدن في شهر آب الحالي ليس سوى خير دليل على ذلك. وسبقتها الحرائق التي طالت كاليفورنيا قبل بضع سنوات، وقضت على عدد من أجمل المنازل الهوليوودية فيها، كما شهدت غابات أستراليا حرائق عملاقة قضت على ثروات حيوانية وهدّدت بانقراض بعض أنواعها. كذلك شهدت جزيرة لا بالما الإسبانية، عام 2023، حريقًا هائلًا قضى على مساحات حرجية شاسعة وعدد كبير من المنازل، وهدّد السكان.

المناخ يحدد حجم الكارثة

في تقرير نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية، يحذّر خبراء المناخ Dominique Bourg وMarie-Antoinette Mélières وFranck Pupunat من أن ما يميّز “الميغا حرائق” ليس فقط المساحات التي تلتهمها النيران، بل أيضًا الطريقة التي تتطوّر بها وتتصرف.

فعندما تجتمع درجات الحرارة المرتفعة مع جفاف التربة ويباس النباتات والرياح القوية، يتحوّل الغطاء النباتي إلى ما يشبه وقودًا شديد الاشتعال، فتنتشر النيران بسرعة، ويمكن للجمر المتطاير أن يشعل بؤرًا جديدة بعيدة عن الحريق الأساسي، فتصبح السيطرة على اتجاه النار أكثر صعوبة. وفي هذه الحرائق شديدة القوة، يمكن للنار أن تولّد ما يُعرف بالسحب الركامية، إذ ترفع الحرارة الهائلة أعمدة الهواء الساخن والدخان إلى ارتفاعات كبيرة، وقد تصل إلى طبقات عليا من الغلاف الجوي يبلغ ارتفاعها عشرات الكيلومترات، مشكّلة سحبًا تُعرف باسم pyrocumulonimbus.

وحين تتشكّل هذه السحب، يصبح للحريق سلوكه الخاص، وتتولّد تيارات هوائية ورياح وبرق، وقد تهطل أمطار تتبخّر قبل وصولها إلى الأرض، فيما تحمل العواصف الجافة الجمر إلى مسافات بعيدة، مكوّنة بذلك حرائق ذات نظام خاص بها، أشد عنفًا وتطرفًا من نظام الحرائق المعهود، الذي يمكن التنبؤ باتجاهه وقوته.

يشير الخبير البيئي، المهندس حسان صفا، إلى أن النشاط البشري يشكّل نسبة كبيرة من أسباب اندلاع الحرائق، ومن هنا يمكن القول إن الوقاية والتوعية من أبرز الأسلحة في استباقها والحدّ منها. لكن يبقى المناخ، أو التغيّر المناخي، العامل الأبرز القادر على تحويل الحرائق إلى كوارث طبيعية وتحديد عنفها وقوتها. فكلما ارتفعت درجات الحرارة، وجفّت التربة والنباتات، أصبحت الغابات أكثر قابلية للاشتعال.

وقد بات موسم الحرائق اليوم أطول وأكثر تهديدًا لمناطق كانت بمنأى عنه في السابق، مثل جنوب أوروبا. والجدير ذكره أن هذه الحرائق الكبرى أدخلت التغيّر المناخي في حلقة مفرغة، فبعد أن كانت الحرائق تنشأ وتتمدد نتيجة الاحتباس الحراري وارتفاع درجات الحرارة واشتداد الجفاف، باتت بدورها تتسبب بإطلاق كميات كبيرة من الحرارة، إضافة إلى ثاني أكسيد الكربون وغازات أخرى تساهم بدورها في زيادة الاحترار والتغيّر المناخي.

“السوبر نينيو” وخطر الحرائق

في هذه الصورة المناخية المعقّدة، يدخل “السوبر نينيو” إلى المشهد هذا الموسم ليضيف إليه ذعرًا وقتامة. لكن، وفق علماء المناخ، فإن هذه الظاهرة المناخية لا تعني أن العالم كلّه سيصبح أكثر حرارة وجفافًا في الوقت نفسه، بل إنها تغيّر توزيع الحرارة والأمطار والرياح، ويختلف تأثيرها من منطقة إلى أخرى. وفي بعض المناطق على جانبي الأطلسي والهندي، يمكن أن تؤدي إلى فترات أطول من الحرارة والجفاف، ما يزيد قابلية الغطاء النباتي للاشتعال. لكن الخبراء لا يحمّلون ظاهرة “السوبر نينيو” وحدها مسؤولية الحرائق في العالم، رغم كونها عاملا مضاعفًا للخطر في بعض المناطق، بل يعيدون الأسباب إلى التغيّر المناخي الطويل الأمد.

اليوم، العالم أمام تحدّ من نوع جديد، ولبنان في قلب هذا التحدي. فالغابة التي تحترق مرة قد تتعافى، أما التي تحترق مرارًا، في زمن يزداد فيه الحر والجفاف، فقد تدخل في مسار مظلم لا عودة منه. من هنا، المعركة حقيقية وتبدأ قبل الحريق، ولبنان مدعو إلى حماية أحراجه، ومراقبة قدرة ما احترق منها على التعافي، وإعادة تأهيلها لتبقى للأجيال المستقبلية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق دريان: نحن مع العهد والحكومة
التالى عون يفتح نافذة لبنان في قلب القرار الأميركي