العام الدراسي الرسمي مُهدَّد

العام الدراسي الرسمي مُهدَّد
العام الدراسي الرسمي مُهدَّد

كتبت فتات عيّاد في “نداء الوطن”:

حدّدت وزارة التربية والتعليم 15 أيلول موعدًا لانطلاقة العام الدراسي الرسمي 2026–2027، فيما أزمات العام السابق لم تُقفل بعد: حتى اليوم، لم يحصل طلاب البروفيه على إفاداتهم، ولم يعرف أصحاب الطلبات الحرة مصيرهم، فيما لا تزال إشكالية طلاب الصفوف الانتقالية في المدارس الرسمية، الذين حُرموا من الإكمال، مفتوحة.

دفعت المدرسة الرسمية الكلفة الأكبر في الحرب: على المستوى اللوجستي، مدارس رسمية دمّرتها إسرائيل كليًا أو جزئيًا في الجنوب، وأخرى لا تزال مراكز إيواء كاملة أو جزئية في بقية المناطق اللبنانية، ما يُبقي شبح التعليم “أونلاين” حاضرًا للعام الثاني في التعليم الرسمي، فيما عشرات آلاف التلامذة هم أنفسهم نازحون.

فعلى وقع أي أزمات يبدأ العام الدراسي 2026-2027؟ وكيف عمّقت سياسات وزارة التربية أزمة التعليم الرسمي وصولا إلى التقدم بمشروعي قانون في البرلمان لإنصاف طلاب الصفوف الانتقالية والطلبات الحرة والمناهج التربوية؟

“أونلاين” للعام الثاني

كلفة الحرب كانت باهظة على القطاع التعليمي. فالكلفة لم تقتصر على الحجر أو جودة التعليم، بل وصلت إلى الأرواح، فخسر لبنان طلابًا وأهلا وأساتذة. من هنا، ليحمل العام الجديد ثقلا إنسانيًا كبيرًا من العام الدراسي المنصرم.

على صعيد الخسائر في المدارس، كانت وزارة التربية قد أفادت لوكالة رويترز بأن 50 مدرسة عامة في لبنان لحق بها الدمار أو أضرار جسيمة في الحرب، وأكثر من 200 مدرسة أخرى تعرضت لأضرار طفيفة.

أما على مستوى المدارس الرسمية التي ما زالت مراكز نزوح، فمن بين “نحو 80 مدرسة عامة لا تزال تستخدم لإيواء النازحين رغم اقتراب بدء العام الدراسي، ما يقرب من النصف تم إخلاؤه ليفتح أبوابه للسنة الدراسية. وستفتح نحو 30 مدرسة جزئيًا مع استمرار استضافتها لنازحين، مما سيترك تسع مدارس تستخدم بالكامل للإيواء فقط”.

هكذا إذًا سيكون التعليم أونلاين، في مراكز النزوح الكاملة أو الجزئية، عنوان المرحلة، فيما تبقى أعداد المدارس المكرّسة مراكز نزوح قابلة للارتفاع، في حال توسع الاعتداءات الإسرائيلية.

 منذ أيام، نشرت الوزارة فيديو لسيدة “تمتدح” تجربة التعليم أونلاين في الحرب، في مشهدية سريالية. إذ يكفي أن يكون الإنترنت سيئًا لمدة 5 دقائق لدى أستاذ في مادة ما، كي لا تصل المعلومة جيدًا إلى كافة طلاب الصف، أونلاين، وطبعًا فجودة الإنترنت على هواتف الطلاب في هذا الصف غالبًا لن تكون أفضل!

لكن المشكلة أعمق من جودة الإنترنت وحده. إذ غاب عن وزارة التربية أن جزءًا كبيرًا من طلاب المدرسة الرسمية هم من الطبقة الفقيرة، ولم تكن لدى ذويهم قدرة على شراء تابلت Tablet أو هاتف لجميع أولادهم لمتابعة دروسهم أونلاين. فمن لديه ثلاثة أولاد مثلا، كان شراء 3 تابلت يكلّفه 300 دولار، وهي تسعيرة تلامس الحد الأدنى للأجور!

هنا، يتضح أن مقاربة وزارة التربية نفسها كانت ظالمة لطلاب المدارس الرسمية، فهي تعاملت وفق مبدأ أنّ الحرب قائمة حصرًا في الجنوب، فيما بيروت وجبل لبنان لم تكونا أكبر حاضنتين للنزوح وحسب، بل أيضًا ساحتي حرب حقيقية، إن في غارات متنقلة أو يوم الأربعاء الأسود. والثابت أنه طيلة الحرب، دفع طلاب المدارس الرسمية في بيروت وجبل لبنان ثمن تحوّل مدارسهم إلى مراكز نزوح، فدرسوا أونلاين أولا، ودرسوا تحت ظروف الحرب وصوت المسيّرات ثانيًا. هذا، ولم نتطرق بعد إلى الطلاب النازحين، الذين حتى لو ولجوا إلى الإنترنت، فظروف نزوحهم نفسها، لا سيما من كانوا وما زالوا في مراكز النزوح، كارثية!

مدرسة الدولة “بزيت”

إلا أن مظلومية طلاب الصفوف الانتقالية في المدارس الرسمية لم تتوقف مع رسوب طلاب في المدرسة الرسمية في الفصل الثالث على وقع الدراسة أونلاين في ظروف الحرب بعد تحوّل مدارسهم إلى مراكز نزوح، رغم نجاحهم في الفصول الأولى.

فرغم اعتراف الوزيرة كرامي بأن المنهج لم يُستكمل وبأنه كان عامًا استثنائيًا، لم تُصدر قرار إكمال لطلاب المدارس الرسمية، رغم أن الوزير السابق عباس الحلبي أجراه عام 2024، فيما كانت حرب العام 2026 بمستوى إقليمي، أُلغيت فيه البكالوريا الفرنسية في دول عربية مجاورة، ووصلت فيه الحرب إلى عقر بيروت والمتن، ولم تقتصر على الجنوب والضاحية الجنوبية.

حتى إن كرامي لم تتعاطَ مع هؤلاء الطلاب، أقله، بمنطق احتساب نتائجهم في الفصل الأول، كما كانت مقاربتها للترمينال. لكن أخطر ما في الأمر هو أنّ سياسات وزارة التربية ميّزت بين طلاب القطاع الخاص والرسمي حتى لدى تسجيلهم في المدرسة الرسمية، مع أفضلية لطلاب المدارس الخاصة.

فالوزيرة أتاحت تسجيل طلاب المدارس الخاصة الحاصلين على معدل 9.5 ونصف على 20، الذي تتيح مدارسهم فرصة الإكمال، في المدرسة الرسمية، دون فرصة لطلاب المدرسة الرسمية بالإكمال، أي دون فرصة لهم بتحقيق معدل 9.5 بشكل متساوٍ.

هكذا، سجّلت المدرسة الرسمية طالبًا قادمًا من القطاع الخاص بعدما منحته مدرسته الخاصة فرصة إكمال، فيما حُرم تلميذ الرسمية، أي ابن هذا الصرح التعليمي، من الفرصة نفسها.

الدمج… والتسرب المدرسي

تركت وزيرة التربية ريما كرامي معركة التدريس 5 أيام في المدارس الرسمية، للعام الثاني على التوالي، وأبقت عليها 4 أيام، ولم تحلّ إلى اليوم أزمة رواتب ومطالب الأساتذة المتعاقدين، الذين يشكلون 70% من أساتذة التعليم الرسمي، ما يهدد العام الدراسي الرسمي بإضرابات مستقبلية، وقررت الوزيرة إقفال ودمج مدارس رسمية بلا معايير شفافة، من دون أي إقفال لـ”دكاكين” بعض المدارس الخاصة، رغم فضائح أُثيرت حول ظروف تراخيصها، وهو ما وصل بنواب إلى اعتبار خطة الدمج، من دون بدائل، “تدميرًا للمدرسة الرسمية”.

فلا شك في أن إعادة الهيكلة مطلوبة، لكن ضمن معايير شفافة وموحدة، تضمن أيضًا قدرة المواطنين على نقل أولادهم من المدارس المزمع إقفالها إلى المدارس التي يُقرر الدمج فيها، لا سيما مع غلاء البنزين، حيث لن يكون السؤال كم سيستغرق مشوار الطريق وحسب، بل كم أجرة الطريق إلى المدرسة؟

وهذه من العيوب التي يعيبها على وزارة التربية نواب في لجنة التربية، حيث لا خطة بديلة كتوفير باصات مجانية، لحماية الطلاب، في ظل الظروف الاقتصادية القاهرة، من التسرب المدرسي.

استقطاب التمويل… وخطر الحرب

وسط كل هذه الأزمات وعدم الاستقرار، تطل وزارة التربية على اللبنانيين بإنجاز “شكليّ” هو المنهاج الجديد الذي يغيّر دوامات المدارس وتوقيت عودة الطلاب.

بالتوازي، سيخضع التلامذة لامتحان تشخيصي بعد يومين فقط من انطلاقة العام الدراسي، أي قبل إصدار إفادات البروفيه!

هكذا تواصل الوزارة استقطاب الجهات المانحة عبر تقييمات وامتحانات تشخيصية، قبل حل أزمات العام الماضي الملحّة، ومن دون خطة تضمن استمرارية التعليم وسط التحديات الحالية، أو في حال توسع الحرب، إذ كان الأجدى بها حلّ أزمات الطلبات الحرة والصفوف الانتقالية والمناهج الأجنبية، إلا أنها فتحت الباب مرة جديدة لمشروعي قانون في المجلس النيابي يحاولان معالجة أزمات هذه الفئات، فيما العام الدراسي يبدأ اليوم، وكان من المفترض بالوزارة المعنية إيجاد الحلول، لا جعل المواطنين يلجؤون إلى النواب للحصول على إفاداتهم أو حقهم بالإكمال!

ولا يبدو أن وزارة التربية تعلّمت من تجربة العام الماضي، ففي النبطية والجنوب، لا ضمانة لاستمرار التعليم الحضوري إذا تصاعدت الاعتداءات الإسرائيلية، فيما قد تعيد أي موجة نزوح جديدة إقفال مدارس في بيروت وجبل لبنان وتحويلها مجددًا إلى مراكز إيواء بالكامل.

ورغم هذه الاحتمالات، لا خطة إيواء بديلة عن المدارس الرسمية، ولا توجد تجربة ناجحة في التعليم عن بُعد يمكن البناء عليها، ولا خطة نقل تعالج المسافات الإضافية الناتجة من إقفال المدارس ودمجها.

وبين البروباغندا وشعارات “الصمود”، يبقى السؤال الأساسي بلا إجابة: كيف سيصل تلميذ المدرسة الرسمية إلى صفّه، وأين سيدرس، إذا اتسعت رقعة الحرب والنزوح؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق دوريات مكثفة للأمن العام في النبطية
التالى لبنان وإسرائيل: أوجه شبه رغم العداء الطويل