كتب طوني عطية في “نداء الوطن”:
هو دوري كميل شمعون، أو “الريّس دوري”، ابن “الملك” كميل شمعون، وابن دير القمر، عاصمة الأمراء وذاكرة الجبل والقمم، حيث ينبت الأحرار ويحلّقون كالنسور.
وُلد وعلى كتفيه إرث عائلة ثقيل، ثقيل في التاريخ والوجدان. جمعت شخصيته بين الصلابة والشجاعة في الموقف السياسي، والبساطة وروح النكتة في الحياة اليومية والعامة. كان قادرًا على أن يقول أقسى المواقف بابتسامة، وأن يحوّل السخرية إلى سلاح سياسي. هو من أولئك الرجال الذين لا يحتاجون إلى كثير من الكلام كي تعرف أين يقفون.
في بيت شمعون، مرّت رئاسة الجمهورية والحرب والمقاومة والاغتيالات والمنفى والوصاية والانتفاضة والنيابة. وكان دوري شمعون شاهدًا على كل ذلك وجزءًا من الحكاية: من الدفاع عن عهد والده عام 1958، إلى زمن “النمور” والحرب الأهلية، ثم الفاجعة باغتيال شقيقه داني وعائلته، وصولا إلى مواجهة الاحتلال السوري.
وحين تسلّم رئاسة الحزب، كان لبنان يعيش واحدة من أصعب مراحله، وكان الصمت أو التكيّف أو التسوية خيارات متاحة لكثيرين. أما دوري شمعون فاختار المعارضة، وحوّل “الوطنيين الأحرار” ومقرهم في السوديكو إلى مساحة للقاء القوى السيادية، في مسار قاده إلى “قرنة شهوان” ثم 14 آذار وانتفاضة الاستقلال عام 2005. وبعد اندحار الوصاية السورية، واصل خطه في مواجهة الهيمنة الإيرانية، متمسكًا بلبنان السيد والحر والمستقل.
من بيت كانت تخرج منه سياسة لبنان وتتجاوز حدوده إلى العالمين العربي والغربي، دفعته الظروف، أكثر فأكثر، إلى الانخراط في الشأن العام. وحين اغتيل شقيقه داني مع زوجته وطفليه، حمل صليب “الأحرار”. ومن يحمل الصليب لا يعرف الخوف ولا الحقد ولا الجهل. لذا لم ينسق وراء روايات الاحتلال السوري ومنظومته الأمنية آنذاك، ولم ينجرف معها. وتجلّت شهامته، ودماء كميل شمعون التي تسري في عروقه، حين وقف إلى جانب رئيس “القوات اللبنانية” سمير جعجع، رافضًا السرديات التي عمل الاحتلال السوري وأعوانه على تثبيتها في قضية الاغتيال. ولم يسمح بأن يتحول داني، بعد استشهاده، إلى ورقة في يد منظومة الوصاية.
رحل في أسبوع ارتفاع الصليب وذكرى استشهاد بشير الجميّل، وكأنه اختار أن يلحق، هو أيضًا، بالأباتي بولس نعمان على درب سماوي واحد، بعدما جمعتهما على الأرض دروب المقاومة والحرية والإيمان.
يا لها من مصادفة تختصر زمنًا كاملا، من حكاية نضالية، من زمن أبيه أيام العزّ، من زمن “الجبهة اللبنانية”، من زمن الأبطال، من تلال وجبهات وميادين تعمّدت بالدم والفكر والقداسة دفاعًا عن لبنان.
رحل دوري كميل شمعون والأباتي بولس نعمان في لحظة يبدو فيها لبنان أقرب من أي وقت مضى إلى فكّ قيوده واستعادة دولته وفتح الطريق أمام السلام. وكأن الأباتي و”الريّس” اختارا أن يغادرا الأرض عند عتبة هذا التحوّل، ليطلّا من العلياء على وطن طالما حملاه حلمًا وقضية، ويراقبا خطاه المتقدمة على درب الحرية.
هناك، يلتقيان كميل شمعون وبيار الجميّل وبشير الجميّل وشارل مالك، وزاهي البستاني وفؤاد إفرام البستاني، والبطريرك نصرالله صفير والأباتي شربل قسيس، وسائر أولئك اللبنانيين الأحرار الذين حملوا لبنان قضية وعاشوا له حتى الرمق الأخير.
برحيل دوري شمعون، تطوى صفحة أخرى من صفحات لبنان الذي صنعته شخصيات كبيرة، بمزاياها وأخطائها، بمواجهاتها وخصوماتها. رحل ابن “الملك”، وشقيق “النمر”، وابن دير القمر. رحل بعدما عاش ما يكفي ليرى لبنان يتغيّر مرارًا، والتحالفات تنقلب، والاحتلالات تدخل وتخرج، لكنه بقي حيث بدأ، في صف لبنان الذي أراده حرًا، سيدًا، مستقلا. خسر الوطن دوري كميل شمعون. خسر حرًا لم يتعلم الانحناء، و”نمرًا” بقي، حتى آخر الطريق، وفيًا لاسمه وبيته ووطنه.



