كتب داود رمال في “نداء الوطن”:
في موازاة الجمود الذي يطبع المشهد الإقليمي وغياب أي مؤشرات جدية إلى اختراق سياسي قريب، تعود الاحتمالات العسكرية لتتقدم على ما عداها، وسط مناخ شديد الحساسية تتداخل فيه الحوادث الأمنية مع الحسابات الإسرائيلية والإيرانية والأميركية. وبينما لا تزال المسارات الدبلوماسية عاجزة عن إنتاج معادلة جديدة تخفّض مستوى التصعيد، تتحول كل حادثة إلى عنصر قابل للاستثمار السياسي والأمني، بما يرفع منسوب القلق من أن تكون المرحلة المقبلة مفتوحة على تحولات ميدانية كبيرة، وخصوصًا على الجبهة اللبنانية.
وفي هذا السياق، قال مصدر دبلوماسي لـ”نداء الوطن” إن “الأجواء الإقليمية لا تزال في حالة جمود، ولا جديد فعليًا يمكن البناء عليه، إلا أن حادثتي مانشستر وطائرة “فلاي دبي” لا يمكن، التعامل معهما ببساطة باعتبارهما حدثين منفصلين عن المناخ العام”. وأضاف أنه “حتى في حال أثبتت التحقيقات أن الحادثتين معزولتان ولا رابط أمنيًا أو عملياتيًا بينهما وبين أي مخطط إقليمي، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدأ بالفعل باستثمارهما سياسيًا وإعلاميًا، مستندًا إلى خطاب يقوم على إبقاء التهديد الأمني في صدارة المشهد”.
وأشار المصدر إلى أن “اللافت كان ظهور نتنياهو، قبل يوم واحد من حادثة “فلاي دبي”، في قاعدة جوية في جنوب إسرائيل، حيث تحدث في تسجيل مصوّر عن معلومات تفيد بأن “أعداء إسرائيل يحضّرون عملا إرهابيًا”، مؤكدًا أن بلاده جاهزة وأن الرد سيكون “مدمرًا”، من دون أن يحدد ما إذا كان يقصد عملا عسكريًا أم أمنيًا. وفي اليوم التالي وقعت حادثة الطائرة، ما يفتح باب الأسئلة من دون أن يسمح بتقديم أجوبة حاسمة، هل كان الأمر مصادفة؟ هذا ممكن. وهل يمكن أن تكون ثمة خلفيات مدبرة؟ هذا ممكن أيضًا. لكن ما يمكن رصده بوضوح، هو سرعة انتقال نتنياهو إلى توظيف الحادثة سياسيًا، وكثافة ظهوره الإعلامي بعدها”.
ورأى المصدر أن “السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بالحادثة نفسها بقدر ما يتعلق بالوجهة التي يحاول نتنياهو دفع التصعيد نحوها. وثمة ثلاثة سيناريوهات رئيسية مطروحة. الأول يتمثل في محاولة استئناف الضربات الواسعة ضد إيران، باعتبارها الهاجس الاستراتيجي الأول لإسرائيل، إلا أن هذا السيناريو يصطدم، لحد الآن، بالموقف الأميركي. فواشنطن انتقلت من منطق المواجهة العسكرية المباشرة إلى تشديد الضغوط الاقتصادية، ما يجعل من الصعب تصور منح الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضوءًا أخضر سريعاً لجولة حرب إسرائيلية جديدة ضد إيران”.
وأضاف المصدر أن “نتنياهو نجح في المرحلة السابقة في إقناع ترامب بالسير في خيار المواجهة مع إيران، لكن الظروف الحالية مختلفة، ولا توجد، بحسب التقديرات المتوافرة، مؤشرات قوية إلى استعداد أميركي لتكرار التجربة. ومن هنا، يبرز السيناريو الثاني، الذي يُعتبر الأكثر ترجيحًا، ويتمثل في نقل مركز الثقل العسكري إلى لبنان وتوجيه ضربة كبيرة ضد “حزب الله”، بما يسمح لإسرائيل بإظهار قدرتها على المبادرة والتصعيد من دون الدخول مباشرة في حرب إيرانية جديدة تحتاج إلى غطاء أميركي واسع”.
أما السيناريو الثالث، بحسب المصدر، “فيتمثل في توجيه ضربات أكبر إلى الحوثيين، إلا أن هذا الخيار يبقى، في تقديره، أقل مركزية بالنسبة إلى الحسابات الإسرائيلية من الجبهة اللبنانية، حيث ترى إسرائيل أن ملف قدرات “حزب الله” لم يُقفل بعد وأن ثمة بنية عسكرية تعتبرها تل أبيب تهديداً طويل الأمد”.
وفي حال جرى اعتماد الخيار اللبناني، قال المصدر إن “الترجيحات الإسرائيلية قد تذهب في اتجاه عملية عسكرية واسعة تتركز في منطقة إقليم التفاح، التي تنظر إليها إسرائيل باعتبارها إحدى القلاع العسكرية الأساسية لـ”حزب الله” ومجالا لوجود قدرات نوعية. وقد يمتد نطاق العمليات، وفق هذا السيناريو، من مرتفعات علي الطاهر نحو الريحان وعرمتى وجبل صافي، مع احتمال أن تتوسع لاحقًا باتجاه تومات جزين إذا رأت القيادة الإسرائيلية أن الظروف الميدانية والسياسية تسمح بذلك”.
لكن هذه السيناريوهات، على خطورتها، تبقى حتى الآن في إطار التقدير لا القرار المعلن. فالمنطقة تقف عند تقاطع حسابات معقدة، إسرائيل تبحث عن هامش حركة، واشنطن تحاول ضبط إيقاع المواجهة مع إيران، فيما يبقى لبنان الحلقة الأكثر تعرضًا لتداعيات أي انتقال من الجمود السياسي إلى المبادرة العسكرية. وبين غياب التسوية واتساع مساحة الاحتمالات، يصبح الخطر الحقيقي أن يتحول الاستثمار السياسي في الحوادث الأمنية إلى مقدمة لإعادة رسم قواعد الاشتباك بالنار.



