لا قرار ولا قدرة على إسقاط الحكومة: “بروفا” لاستحقاقات لاحقة

لا قرار ولا قدرة على إسقاط الحكومة: “بروفا” لاستحقاقات لاحقة
لا قرار ولا قدرة على إسقاط الحكومة: “بروفا” لاستحقاقات لاحقة

كانت “بروفا” أو إشارة، أو محاولة تحضير أرضية. فحتى الآن لا قرار ولا قدرة لإسقاط الحكومة. ولا وجهة واضحة حول الانتخابات النيابية ومصيرها. لكن الجميع جاهز للاستثمار بلعبة المزايدة والشعبوية، خصوصاً من بوابة مطالب الناس والموظفين والعسكريين وحقوقهم. تبقى المسألة أبعد من ذلك بكثير، وتتجاوز مجرد حفلة مزايدات تحت قبة البرلمان وفوق منبره وعلى البث المباشر في زمن الانتخابات. والأخطر أن كل ذلك يحصل على وقع غليان إقليمي يمكنه أن يزيد من غليان الداخل، الذي في الأساس يعيش أزمة عميقة وانقساماً عمودياً حول ملفات كثيرة، تبدأ بالسلاح ولا تنتهي بالخلافات حول قانون الفجوة المالية أو الموازنة أو حتى السياسات العامة. 

سرعة اختراق الحواجز

المؤكَّد أنه ليس بمقدور أحد الإطاحة بالحكومة، التي وعلى الرغم من كل اعتراضات القوى السياسية عليها أو على موازنتها إلا أنها غير قادرة على الانسحاب منها. ثمة معادلات إقليمية ودولية هي التي تتحكم بمثل هذه الاستحقاقات في لبنان. ولكن ما جرى لا بد من التوقف عنده باهتمام، خصوصاً أن لا اعتصامات كانت مقررة من قبل العسكريين والمتقاعدين، وكان هناك اتفاق قد حصل بينهم وبين رئيس الحكومة ووزير المال. فجأة وبنتيجة خلاف وجلبة داخل المجلس النيابي سرعان ما تقدمت الجموع باتجاه ساحة النجمة، وسريعاً أيضاً تمكن المتظاهرون من اختراق كل الحواجز التي تقيمها الأجهزة الأمنية والوصول إلى باحة المجلس النيابي وعلى درجه قبل توجه وفد منهم إلى الداخل للقاء المسؤولين المعنيين والخروج بالاتفاق نفسه الذي حصل قبل يوم واحد. كانت سرعة التحركات لافتة، وكذلك النزول إلى الشوارع في مناطق مختلفة من الشمال والجنوب وقطع الطرق. 

معادلة شديدة التعقيد

لا ينفصل ما جرى في الشارع، عما يدور في المقرات من خلافات حول ملفات كثيرة. فالاعتراضات التي كانت واضحة على الموازنة من قبل كتل نيابية عديدة، ستلاقيها لاحقاً اعتراضات أشد قسوة على قانون الفجوة المالية، وربما الصراع هنا سيكون أشد من كيفية التعاطي مع ملف السلاح في جنوب الليطاني. إلا أن ملامح هذه الحدّة أيضاً بدأت تلوح في الأفق حول كيفية تطبيق حصر السلاح في شمال الليطاني والتي يرفضها حزب الله بشكل كامل، بالنظر إلى توازنات المجلس وحسابات الانتخابات، فقد ظهر أن أكثر المتحالفين مع الحكومة ورئيسها في ملف السلاح كانوا معارضين للموازنة، أما التصويت لتمريرها فكان يحتاج إلى خصوم رئيس الحكومة وخصوصاً بملف السلاح. تلك المعادلة المعقدة جداً، تحكمها موازين خارجية لا داخلية فقط. 

تطويق الحكومة

أريد لمشهد قطع الطرق وبعض التصريحات إعطاء انطباع يشبه انطباعات ثورة 17 تشرين، خصوصاً مع التركيز على الصرخات المطلبية. هنا ثمة من يسارع إلى استذكار تظاهرات تشرين العراقية، فيعود اللبنانيون إلى ربط سياقات البلدين، بعضهما ببعض. وذلك يدفع كثراً إلى اعتبار أن ما يجري قد يشكل مقدمة لحصول تصعيد سياسي داخلي بمفعول رجعي على كل قرارات الحكومة وخصوصاً بملف السلاح أو بملف الفجوة المالية أو قانون إعادة هيكلة المصارف. وللمفارقة أن ذلك يأتي بعد دخول العراق في مرحلة جديدة تحمل الكثير من مؤشرات الاستعصاء، لا سيما بعد ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة وتمسكه بذلك على الرغم من صدور موقف أميركي واضح على لسان دونالد ترامب يرفض هذه الترشيح ويسعى إلى قطع الطريق على تشكيل حكومته. وربما هناك من أراد إيصال رسالة حول قدرته على تطويق الحكومة إن من خلال التحركات في الشارع، أو حصول تحركات احتجاجية أخرى لاحقاً لأسباب مطلبية أم سياسية، أو حتى كإشارة للإقدام على خطوة تصعيدية تلاقي التصعيد الذي تشهده المنطقة. 

سيناريو المالكي في لبنان

بمعنى أوضح، إذا ما كان اختيار الاطار التنسيقي في العراق لنوري المالكي كرئيساً للحكومة، هو ردّ عراقي وإيراني مشترك على التصعيد الأميركي ضد طهران، فإن لبنان يمكنه أن يكون مقبلاً على سيناريوهات سياسية تصعيدية على إيقاع هذا التصعيد الإيراني الأميركي، من دون إغفال تصريحات أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم حول الاستعداد لعدم الوقوف على الحياد، أو بالنظر إلى السجالات التي شهدها مجلس النواب على خلفية ملف السلاح والملفات السياسية الأخرى. 

انقسام داخلي

كعادتهم ينقسم اللبنانيون في قراءتهم للمشهد وتعاطيهم مع التطورات. وكما هو الحال بالنسبة إلى الانقسام على ملف السلاح أو الملفات المالية، وهناك انقسام في الرؤى حول مآلات التصعيد الإيراني الأميركي. فثمة من يعتبر أنه في حال وقعت الحرب، لا بد من الانخراط بها كخيار بديل عن كل الخيارات الأخرى، طالما أن كل المحاولات الماضية التي استمرت على مدى أكثر من سنة لتلافي التصعيد والضربات قد فشلت، ولم يعد هناك خيار إلا الذهاب إلى التصعيد الأكبر والأوسع والأشمل على مستوى المنطقة، وربما هذا يتلاقى مع وجهة نظر إيرانية تبدو غالبة. أما الطرف الآخر في لبنان فيعتبر أن العجز عن اسقاط الحكومة أو تغيير الموازين فيها، هو عجز ينسحب على كل الملفات، ويعتبر هؤلاء أن التصعيد الأميركي ضد إيران والدخول في حرب سيؤدي إلى تغيير كل الوقائع في المنطقة، وبعدها سيكون من السهل معالجة ملف السلاح وغيره من الملفات، والتأسيس لانتخابات نيابية تفرز نتائج جديدة. 

الحكومة باقية

في الخلاصة، وعلى الرغم من الأزمات المتراكمة، والصدام الذي يمكن أن يقع في أي لحظة، إلا أن أي محاولة لبنانية لاستنساخ تجربة التصعيد في العراق، أو تغيير موازين القوى القائمة حالياً لا تبدو ناضجة. ربما كل ذلك ينتظر ما سيجري بين واشنطن وطهران، لكن الأكيد أن العهد الحالي والحكومة الحالية، لديهما مهمتان أساسيتان: الأولى هي ملف السلاح والعمل على سحبه ووضع إطار كامل ونهائي لإنهاء حالة الحرب مع إسرائيل. والثانية، هي الملف المالي والمصرفي والاقتصادي وإبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي. القرار الدولي والإقليمي يدفع باتجاه إنجاز الملفين، وعليه لا فرصة لإسقاط الحكومة، ولا لتغيير التوازنات. أما التحركات فيمكنها أن تتجدد أو تجد من يجددها ومن جهات متعددة، إما مطلبياً رفضاً لقرارات أو لمشاريع قوانين مثل الفجوة المالية أو غيرها، وإما رفضاً لسحب السلاح في شمال الليطاني والمطالبة بإعادة الإعمار، وإما رفضاً للتأخر في مسار وعملية سحب السلاح وضرورة الإسراع بذلك. ولكل عنوان من هذه العناوين جهة يمكنها أن تكون دافعة أو داعمة. التحركات أيضاً يمكنها أن تكون مرتبطة بشكل مباشر بمصير الانتخابات النيابية أو مقدمة لتبرير تأجيلها في حال استقر الرأي على التأجيل. 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق مشهدية المنطقة ما بعد الحرب لن تكون كما قبلها
التالى 2025 كان عام التحوّل في سياسة واشنطن تجاه لبنان