خطة طوارئ صيداوية لمعالجة الأبنية الآيلة للسقوط

خطة طوارئ صيداوية لمعالجة الأبنية الآيلة للسقوط
خطة طوارئ صيداوية لمعالجة الأبنية الآيلة للسقوط

كتب محمد دهشة في “نداء الوطن”:

حظيت قضية المباني المتصدّعة والآيلة للسقوط في لبنان باهتمام متزايد في الآونة الأخيرة، عقب الانهيارات المتتالية التي شهدتها مدينة طرابلس، والتي أعادت تسليط الضوء على خطورة هذا الملف في مختلف المناطق اللبنانية، ومنها مدينة صيدا، تجنبًا لوقوع خسائر بشرية محتملة.

ويأتي هذا الاهتمام في ظلّ تحدّيات مالية كبيرة تحيط بهذا الملف الشائك، في وقت تتفاقم فيه تداعيات تقادم الأبنية والخلافات بين المستأجرين والمالكين، بالتزامن مع اشتداد الأزمة الاقتصاديّة، ودخول فصل الشتاء بما يحمله من برد قارس يزيد احتمالات انهيار الأبنية المتضرّرة.

ورغم عدم تسجيل أيّ انهيار في مبانٍ سكنية أو وقوع كارثة إنسانية – اجتماعية في صيدا، إلّا أن بلدية المدينة وضعت هذا الملف في صدارة أولوياتها، وأطلقت “برنامج تأهيل المباني الآيلة للسقوط” بالتعاون مع تجمع “مهندسون من صيدا والجوار”، بهدف إعداد قاعدة بيانات علميّة شاملة للمباني المهدّدة، بعدما أظهرت الإحصاءات الأوّلية حاجة نحو 120 مبنى إلى كشف هندسي حفاظًا على الأرواح والممتلكات.

بينما أظهر مسح البلديات السابق، أن مبنى واحدًا فقط كان آيلًا للسقوط عند البوابة الفوقا، وقد جرى ترميمه، فيما تبدو غالبية المباني في المدينة سليمة إنشائيًا، رغم معاناة عدد منها من نش وتشقق بسيطين. أمّا منازل صيدا القديمة، فتواجه وضعًا مختلفًا، إذ تعاني عشرات المباني فيها من تصدّعات وتشققات تستدعي أعمال ترميم وصيانة.

خطة تنفيذية

وفي ترجمة عمليّة لهذا التوجّه، وبمبادرة من رئيس لجنة الأشغال والتخطيط في المجلس البلدي محمد دندشلي، عُقد اجتماع في البلدية برئاسة رئيسها مصطفى حجازي، ضمّ وفدًا من تجمع “مهندسون من صيدا والجوار”، إلى جانب عدد من أعضاء المجلس البلدي ورئيس المصلحة الهندسية. وتمّ خلال الاجتماع بحث آليات تنفيذ البرنامج ووضع خريطة طريق لمعالجة هذا الملف الذي يشكّل هاجسًا يوميًا لسكان العديد من الأحياء القديمة والمكتظة.

واتفق المجتمعون على اعتماد خطة تنفيذية مكثفة تمتدّ على مدى 60 يومًا، تشمل الكشف على نحو 120 مبنى بمشاركة 15 مهندسًا متطوّعًا، في خطوة تعكس تكامل الجهود بين البلدية والطاقات الهندسية المحلية، ضمن مسعى جديّ لتحصين المدينة وحماية سكانها من مخاطر تزداد مع كل عاصفة شتوية أو مع تقادم الأبنية.

أولويات التدخل

وأكّد دندشلي أن لجنة الأشغال والتخطيط في بلدية صيدا أطلقت مبادرة لرصد وتأهيل المباني الآيلة للسقوط، تقوم على كشف ميداني علمي وتصنيف المباني وفق درجة الخطورة، بمشاركة مهندسين من أبناء المدينة.

وأوضح أن البرنامج يهدف إلى تحديد الأبنية المهدّدة للأرواح، ووضع أولويات التدخل، وإعداد ملف متكامل يُستخدم لاحقًا لتأمين التمويل اللازم لأعمال التدعيم والترميم، عبر التواصل مع الجهات الرسمية والمانحة، نظرًا لارتفاع كلفة هذه الأعمال، وذلك ضمن إطار شفاف ومنظم وتحت إشراف البلدية.

وأشار إلى أن عمليات الكشف ستُنفذ وفق خطة تدريجيّة تبدأ بالمباني الأكثر خطورة، ثم الأقل، وفق معايير هندسية تراعي سلامة المواطنين أولًا، مؤكدًا أن الهدف النهائي يتمثل في تحقيق حماية فورية كاملة للمباني ذات الخطر الداهم.

وشدّد دندشلي على أهمية الشراكة بين البلدية والقطاع الهندسي لضمان نجاح هذه المهمّة، موضحًا أن البلدية ستتولّى الرعاية الرسميّة وإصدار الإشعارات القانونية والمتابعة الإداريّة عبر لجنة الأشغال، لافتًا إلى أن عامل الوقت حاسم في هذا الملف، حيث ستباشر خلية العمل مهامها فورًا لتحويل الخطة إلى واقع ملموس يحفظ سلامة سكان صيدا وإرثها العمراني.

ثلاث مقاربات

من جهته، أكّد الباحث والمهندس فهد ميره أن معالجة الأبنية المتضرّرة والآيلة للسقوط تتطلّب اعتماد أساليب علمية واضحة تستند إلى دراسة طبيعة المناطق القديمة والمتدهورة والعشوائية، بما يسمح بتقسيم طرق المعالجة إلى ثلاث مجموعات رئيسية.

وأوضح أن المجموعة الأولى تقوم على إحداث تغييرات جذرية في البيئة العمرانية، وتشمل إعادة التعمير والإزالة والإحلال، فيما تركز المجموعة الثانية على معالجة المشكلات البيئية والعمرانية عبر التأهيل والتحسين والتجديد الحضري. أمّا المجموعة الثالثة فتُعنى بالمناطق ذات القيمة التاريخية والمعمارية، وتشمل المحافظة والصيانة والترميم والحماية.

وأشار ميره إلى أن المعالجة تتطلّب الانتقال إلى مراحل تنفيذية تبدأ بتقييم الوضع الميداني من خلال إعداد قاعدة بيانات شاملة للأبنية وتصنيفها بحسب درجة الخطورة إلى ثلاث فئات: أبنية مهدّدة بالسقوط الفوريّ، وأخرى تحتاج إلى صيانة عاجلة، وثالثة متوسطة الخطورة. وتُنفذ هذه المهمة فرق هندسية متخصّصة بالتعاون مع البلديات ونقابة المهندسين، باستخدام وسائل تقنية حديثة لتوثيق الأوضاع.

كما شدّد على ضرورة وضع خطط طوارئ تشمل إخلاء السكان من الأبنية الشديدة الخطورة، وتنفيذ أعمال دعم وصيانة عاجلة للأبنية المهدّدة، إضافة إلى رفع مستوى وعي السّكان بالمخاطر. وأكد أن الأولويات يجب أن تُحدّد وفق درجة الخطورة وليس عدد الأبنية، مع إعطاء الأفضلية للمباني المأهولة والمرافق العامة، مشيرًا إلى أهمية إشراك المهندسين المتطوّعين في إعداد الدراسات والكشف الميداني واقتراح الحلول الفنية بإشراف نقابة المهندسين.

وفي ما يتعلّق بالتمويل، لفت إلى إمكانية تأمينه عبر ميزانيات البلديات وصناديق الطوارئ والتبرّعات، مع ضرورة ضمان الشفافية في إدارة الأموال، مؤكدًا أهميّة وضع جداول زمنية واضحة للتدخل والمتابعة الدورية، إلى جانب نشر التقارير وتعزيز المساءلة حفاظًا على السلامة العامة.

بروتوكول طوارئ

وأقرّ المجتمعون بروتوكول طوارئ للتعامل مع أي انهيار مفاجئ، يضمن سرعة الاستجابة للمتضرّرين ويوفر الإطار القانوني اللازم لحماية البلدية خلال تنفيذ الإجراءات الطارئة.

وتتضمّن الخطة مراحل تنفيذية موزعة على ثمانية أسابيع:

الأسبوعان الأول والثاني (مرحلة التأسيس): إقرار البرنامج رسميًا، تشكيل خلية إدارة الأزمة، وإطلاق دعوة المهندسين المتطوّعين وتدريبهم.

من الأسبوع الثالث إلى الخامس (الكشف الميداني): التركيز على صيدا القديمة والمناطق المكتظة لتصنيف المباني وفق درجة الخطورة (A/B/C)، وإنشاء قاعدة بيانات رقمية.

الأسبوعان السادس والسابع (التدخل والتمويل): تنفيذ إجراءات الحماية الفورية للمباني المصنفة ضمن فئة الخطر الداهم، وإعداد ملفات تقنية لطلب التمويل اللازم للترميم.

الأسبوع الثامن (الإنجاز والشفافية): إصدار التقرير النهائي وإطلاق منصة شفافية تُطلع المواطنين على سير العمل والنتائج.

وسيتولّى تجمع المهندسين، عبر النقابة، توفير الخبرات الفنية وإجراء الكشوفات الميدانية وإعداد التقارير الهندسية والتدقيق فيها. كما سيتم التنسيق مع الدوائر العقارية والتنظيم المدني لتأمين خرائط الملكية وتسهيل التواصل مع المالكين، إضافة إلى التعاون مع لجان الأحياء والمجتمع المحلي لتعزيز التوعية المجتمعية وتسهيل دخول الفرق الهندسية إلى الأبنية المستهدفة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق جعجع في ذكرى الحريري: أملٌ متجدّد بلبنان
التالى “الحزب” يغلق نوافذ التعاون مع لبنان لسحب السلاح