كتب سامر زريق في “نداء الوطن”:
كشفت شحنة المتفجرات التي ضُبطت في ضهر البيدر، أن الدولة لا تزال تدور في حلقة مقفلة، وأن أجهزتها لا تزال أسيرة صورة فائض القوة التي يفرضها “حزب الله”، إلى حدّ يبدو معه الخوف من مواجهته عاملا حاكمًا في سلوكها.
يتجلى ذلك في حرص “الحزب” على منع تسرّب خبر الشحنة إلى الإعلام، وسعيه إلى استردادها وإطلاق سراح الموقوفين الإثنين، في مشهدية تشكل اختبارًا لمدى قدرة “الحزب”، بكل عوراته الظاهرة، على تطويق قضية حساسة قبل خروجها إلى الضوء، وفرض إيقاعه على مؤسسات يفترض أن تكون صاحبة القرار.
أما روايته المتأخرة التي أقرت بملكيته للشحنة، بالتوازي مع رفضه قرارات الحكومة بحظر جناحه العسكري وأنشطته، فتعكس استخفافًا فظًا بسلطة الدولة ومنطقها.
لكن كيف كُشفت الشحنة؟
تشير مصادر معنية إلى أن الأمر حصل بالصدفة، في حلقة جديدة من سلسلة الصدف الحامية في دولة الصدف، وليس هناك عمل أمني ولا من يؤمّنون، بعدما استوقف انقلاب شاحنة “دودج” عنصرًا نسائيًّا في قوى الأمن الداخلي. وحين اقتربت لتفحّصها، لفت نظرها شوالات تضم مواد مشبوهة تدخل في تصنيع المتفجرات.
وتميط المصادر اللثام عن حالة تقاذف لكرة المسؤولية بين المؤسسات الأمنية المعنية، فبعدما أبلغت الشرطية قيادتها، حضرت شعبة المعلومات، إلا أنها تهربت من استلام التحقيق في مشهد مفزع، يضاف إلى صمتها المريب إزاء حادثتين خطيرتين:
شبكة تضم فلولا من نظام الأسد ولبنانيين، تلقى عناصرها تدريبات لدى “حزب الله” استعدادًا لعمليات تخريبية في سوريا. وقبلها شبكة رأس النبع التي كُشفت إثر مداهمة شقة بالصدفة، وأظهرت التحقيقات أنها جزء من مجموعات عنقودية تابعة لـ”الحزب”، تنشط في حي لا يبعد سوى كيلومترات عن مقر رئاسة الحكومة.
وفيما تتداول معلومات عن استدعاءات بحق قيادات من “الحزب”، أدار المعنيون لها ظهورهم من دون رد فعل يذكر، فإن اللافت هو غياب البيانات والتوضيحات، والتسريبات التي ألفتها الشعبة في عهد خالد حمود وكانت باتجاه واحد.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن مدير شعبة المعلومات، العميد محمود قبرصلي، لا يريد مشكلات ويرغب في بلوغ التقاعد بهدوء. وإذا صحّ ذلك، فنحن أمام خلل يتجاوز حسابات مسؤول، ليطال وظيفة مؤسسة أمنية يُفترض أن تكشف الوقائع وتلاحق المسؤولين، لا أن تتفادى مواجهتهم.
في المقابل، لم تُحط استخبارات الجيش علمًا بالشحنة إلا بعد أيام، لأسباب لا تزال غير مفهومة. كذلك غُيبت المعلومات عن المستوى السياسي. وبين هذا التأخير وذاك التهرب، تبدو المؤسسات الأمنية وكأنها تتعامل مع مسألة لا تريد أي منها تحمّل وزر مسؤوليتها.
والأخطر أن الشحنة احتوت كميات من كرات حديدية تُستخدم في العبوات المفخخة لتعزيز فتك العبوات وتوسيع دائرة القتل، بما يستحضر حقبة الاغتيالات والتفجيرات التي نزفت فيها البلاد، من رفيق الحريري إلى محمد شطح، وضمنًا اغتيال الوزيرة السابقة مي شدياق، مرورًا بكوكبة من ألمع العقول اللبنانية، وصولا إلى التفجيرات المتنقلة التي طاولت مناطق ذات طابع مسيحي.
وتزداد الشبهات مع المعلومات عن شحنات أخرى جرى ضبطها، وعن مؤسسة أمنية مالت إلى عدم الإفصاح عن حمولة متفجرات عائدة إلى “حزب الله”، بل حتى عدم تسجيلها في سجل المضبوطات.
كذلك أصدر الجيش بيانًا في الأمس عن شحنة متفجرات حديثة، من دون تحديد تاريخ ضبطها، كما جرت العادة في بياناته، رغم كشفها والتحفظ عليها نهار السبت.
لماذا هذا الغموض؟ ولماذا لا تُعلن الوقائع وفق الأصول نفسها التي تُعتمد في سائر القضايا الأمنية؟ حينما كان أحد الأجهزة يبدع في حياكة سيناريو لإرهابي مزعوم، كانت التسريبات تملأ الحيز العام عبر شتى الوسائل.
وعليه، إزاء انكشاف المتفجرات بالمصادفة، وتعدد الشحنات، وتقاذف الأجهزة المسؤولية، وسيادة الصمت محل التوضيح، يصبح السؤال مشروعًا: هل تخاف الدولة من “حزب الله”؟
إن كانت مؤسساتها تتردد في كشف الوقائع وملاحقة المسؤولين عنها خشية المواجهة، فالمشكلة لم تعد في فائض قوة “الحزب” وحده، بل في دولة تسمح لهذا الفائض بأن يتحول إلى سلطة فوق سلطتها حتى في لحظة انكسار المشروع الموازي برمته.



