جاء في “الراي”:
من خَلْفِ غبارِ المفاوضات الشائكة في سلطنة عُمان التي بقيتْ معها المنطقةُ على كفّ حربٍ لن يَضعها على الرفّ سوى اتفاقُ سَلّةٍ لا تعتبره طهران «مذلةً»، انشدّ لبنان إلى «عودة الدولة»، إعمارياً، تنموياً وخدماتياً إلى الجنوب المثخَن بجِراح الحرب الإسرائيلية والذي بات منذ نهاية ديسمبر (وتحديداً منطقة جنوب الليطاني) تحت السيطرة العملانية للجيش اللبناني للمرة الأولى منذ العام 1969.
وفي هذا السياق، لم يكن اليوم الأول من الجولةُ التي بدأها رئيس الحكومة نواف سلام السبت، لجنوب الليطاني، الذي أعلن الجيش اللبناني قبل شهر ونيف إنجاز سَحْبِ سلاح «حزب الله» منه (ما خلا معالجاتٍ تحتاج لوقت لأنفاق ومستودعات)، مجرّد محطةٍ شكليةٍ ومعزولةٍ عن المسار الذي أطلقتْه الدولة لحصر السلاح بيدها وبسط سلطتها بقواها الذاتية وحدها، وتالياً استعادة سيادتها على كامل أراضيها.
وبإعلانه من صور أنّ الحكومة «لن تنتظر وَقْفَ الاعتداءات أو الانسحاب الإسرائيلي لنبدأ بعمَلِنا وبالتحضيرات اللازمة لإعادة الإعمار»، وتشديده على «أن بسط سلطة الدولة لا يقتصر على انتشار الجيش في الجنوب وسيطرته على الأرض، رغم التقدير الكبير لدوره، وعلى استعادة السيادة فحسب، بل يشمل أيضاً إعادة الخدمات الأساسية وضمان مقومات الحياة الكريمة للمواطنين من مدارس ومراكز صحية وبنى تحتية وغيرها»، يكون سلام كرّس المعادلة التي تعتمدها السلطة في تعاطيها مع الجنوب على قاعدة مزدوجة:
– المضيّ في العمل الدبلوماسي لتحقيق أهداف انسحاب إسرائيل من النقاط التي لا تزال تحتلّها وإطلاق الأسرى ووقف الاعتداءات.
– و«تمكين» حضور الدولة في بقعةٍ كانت حتى الأمس القريب في دائرة التحكّم والسيطرة المطلقة لحزب الله وتكريس أجهزتها ووزاراتها رافعةً لمحو الآثار المدمّرة لحرب الـ 65 يوماً خريف 2024 والتي استمرّت على شكل يوميات نارٍ بعدها، وفي الوقت نفسه رفْد «خيار الدولة» الذي يستعدّ ليكمل طريقه شمال الليطاني – بموجب خطةٍ يُنتظر أن يَعرضها قائد الجيش العماد رودولف هيكل على مجلس الوزراء – بشواهد على قدرة السلطة على احتضانِ بيئةٍ في مرحلةٍ انتقالية بين «المخيفة والخائفة» وعلى أن لافتة الشرعية في ذاتها كفيلة بأن تشكل «حزام أمانٍ».
وحرص سلام، الذي بدأ محطته من ثكنة الجيش اللبناني في مدينة صور، قبل أن يتوجّه إلى الناقورة ومنها إلى يارين وطيرحرفا فبنت جبيل ثم رميش وعيتا الشعب، على تأكيد أنّ الزيارة «ليست إنكاراً للواقع» في ظل «الاعتداءات اليوميّة الإسرائيلية واستمرار الاحتلال في أكثر من موقع ووجود أسرى في السجون الإسرائيليّة»، معتبراً أنّ «الاعتداءات الإسرائيليّة هي اعتداءات على سيادتنا وعلى حياة المدنيين وكرامة أهلنا وحقّ المواطنين في العيش بأمان»، ولافتاً إلى «أن وجود الدولة اليوم رسالة بوجه هذا الواقع الذي نعمل على تغييره».
وعلى مرمى حجر من جنود اسرائيليين راقبوا محطّته في بلدة يارين (من على تلة في موقع الجرداح داخل الأراضي الإسرائيلية)، أكد سلام الذي يزور الأحد، منطقة مرجعيون والعرقوب، وصولاً إلى شبعا وكفرشوبا أنّ «حقّ أهالي الجنوب في الأمان، والسكن، والأرض، والعيش الكريم، هو حقّ وطني لا يتجزأ»، لافتاً إلى «أنّ الحكومة تعمل على ثلاثة محاور أساسية تتمثل في: صون كرامة النازحين، ودعم العائدين، وتأمين حياة أفضل لجميع أبناء الجنوب، كما تتحرّك على ثلاثة مسارات متكاملة هي: استمرار عمليات الإغاثة، وإعادة الإعمار، وتوفير شروط التعافي والإنماء الاقتصادي والاجتماعي».
مشاريع إعادة الإعمار
وأعلن في هذا السياق عن إطلاق «عدد من مشاريع إعادة الإعمار بعد تأمين التمويل اللازم، سواء من الموازنة العامة أو عبر قروض ميسّرة بقيمة 250 مليون دولار من البنك الدولي، إضافة إلى 75 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية، فضلاً عن 35 مليون يورو على شكل منح من الاتحاد الأوروبي وفرنسا والدنمارك لدعم التعافي الاقتصادي، مع تركيز خاص على القطاع الزراعي والتعاونيات الزراعية».
«حزب الله» يصوّب
ولم يكن عابراً أن زيارة سلام تَرافَقَتْ مع تصويبٍ من «حزب الله» عليه كما رئيس الجمهورية جوزف عون، وإن من باب اعتبار نائب رئيس المجلس السياسي محمود قماطي انهما «كانا يخضعان في المرحلة السابقة لإملاءات خارجية، وهما يحاولان اليوم تصحيح المسار ومعالجة الأخطاء التي نَتَجَتْ عن تلك الضغوط»، موضحاً «أننا طوينا صفحة التباين الذي حصل أخيراً مع الرئيس عون ونحن مستعدون دائما للحوار».
وفي ما يعمّق هذا التصويب الفجوة التي تفصل بين الدولة التي كرر عون باسمها أمام وزير الخارجية الفرنسي جان – نويل بارو «التصمم على المضي في الخطوات التي يتخذها لبنان، خصوصاً في موضوع حصر السلاح لان هذا القرار الذي اتُخذ بعد 40 سنة تقريباً لم يكن إرضاء للمجتمع الدولي بل من أجل مصلحة بلدنا»، وبين «حزب الله» الذي يرفض أي مساس بترسانته شمال الليطاني، وهو ما يضع السلطة اللبنانية أمام تحدّي ترجمة التزامها في شأن استكمال هذا المسار، تساءلت أوساط مطلعة هل تكون «عاصفة ليندساي غراهام» التي هبّت في اليوم الأخير من زيارة قائد الجيش لواشنطن بمثابة تطوّر تساعد «رياحُه» في دفعٍ هادئ لسفينة ملف السلاح في الاتجاه الذي يريده لبنان الرسمي.
فقد قوبل رفْض هيكل رداً على سؤال، مجاراة غراهام في توصيفه «حزب الله» منظمة إرهابية وتأكيده أن الحزب ليس كذلك «في سياق لبنان»، ما دفع السيناتور الوثيق الصلة بالرئيس دونالد ترامب لإنهاء اللقاء بعد 5 دقائق من بدئه، بموجةٍ مواقف في بيروت شملت «حزب الله» وناشطين قريبين منه أشادوا بقائد الجيش وصلابته، وسط علامات استفهام حول هل يشكّل هذا المناخ الإيجابي العارم في اتجاهه عاملاً يمكن توظيفه لتسهيل مَهمة المؤسسة العسكرية شمال الليطاني وتفكيك «ألغامها».
«صدمة غراهام»
ولم يَحجب هذا الأمر الأنظارَ عن تداعياتِ «صدمة غراهام» في ظل تحرياتٍ عما إذا كانت مقياساً لنجاح زيارة هيكل أو عدمه، وخصوصاً في ضوء كلام مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديموقراطية وعضو الحزب الجمهوري توم حرب عن «فشل الزيارة»، وسط مناخٍ ساد بيروت عن أن هذه الهبّة لا تعكس حقيقة محادثات قائد الجيش مع مختلف مستويات الإدارة الأميركية، السياسية والأمنية والعسكرية والمخابراتية، والتي عبّر عنها بيان صدر عن الجيش اللبناني وجاء فيه أن قائده بحث في واشنطن «سبل تعزيز التعاون العسكري ودعم قدرات الجيش، فضلاً عن مناقشة المستجدات الأمنية على صعيد المنطقة، والتحدّيات الراهنة التي يواجهها لبنان، ودور الجيش في ضمان الأمن والاستقرار وصَون سيادة الدولة وسلامة أراضيها، والحفاظ على السلم الأهلي في ظل خصوصية الوضع الداخلي وحساسيّته في البلاد».
وبحسب البيان «أعرب العماد هيكل خلال هذه اللقاءات عن تقديره وشكره للسلطات الأميركية في سعيها المستمر من أجل تحسين إمكانات مختلف الوحدات العسكرية»، وأن «السلطات الأميركية رحّبت بهذه الزيارة، وأشاد المسؤولون الأميركيّون بالعمل الجاد للجيش في تطبيق القوانين الدولية وتنفيذ خطته في قطاع جنوب الليطاني، بوصفه المؤسسة الضامنة للأمن والاستقرار في لبنان. كما أكّد الجانب الأميركي مواصلة دعم الجيش وتأمين المتطلبات اللازمة لإنجاز مهمّاته بنجاح على كامل الأراضي اللبنانية، بهدف تعزيز دور لبنان في المنطقة وحمايته من التداعيات الإقليمية».
وفي ما اعتُبر مؤشراً إلى أنّ ما قام به غراهام لا يختصر زيارة هيكل، استقبل عون على وهج ارتدادات «اللقاء العاصف» في واشنطن، السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى حيث تم التداول في «نتائج زيارة قائد الجيش للولايات المتحدة والمحادثات التي أجراها في إطار التعاون القائم بين الجيشين الأميركي واللبناني، كما في التحضيرات الجارية لعقد مؤتمر دعم القوات المسلحة اللبنانية في باريس في 5 مارس المقبل».
بارو… الجيش والسلاح
وشكّل هذا المؤتمر عنواناً رئيسياً في زيارة وزير الخارجية الفرنسي لبيروت والتي أنهاها السبت بلقاء مع قائد الجيش، غداة اجتماعات مع كبار المسؤولين أكد فيها أهمية تزويد الجيش اللبناني بإمكانات لمواصلة مهامه في «نزع سلاح حزب الله». وقال: «رؤية فرنسا للبنان هي أنه دولة قوية وذات سيادة، تملك احتكار السلاح»، موضحاً أن «الخطوة الأولى لإنجاز هذه المهمة هي بتزويد القوات المسلحة اللبنانية بالإمكانات اللازمة لمواصلة عملية نزع سلاح الحزب».
وقد أبلغ الرئيس اللبناني إلى بارو «ان انسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها في الجنوب وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود، هما المدخل الأساسي لحل الوضع في الجنوب، لان الجيش سيتحمّل عندها المسؤولية الكاملة في تكريس وحفظ الامن والاستقرار على طول الحدود، وعلى الإسرائيليين ان يدركوا انه من دون انسحابهم، لن تتحقق أي نتائج إيجابية في اتجاه انهاء الوضع الشاذ على الحدود»، ومعتبراً انه «لا يجوز ربط المساعدات للجيش وقوى الأمن الداخلي بموضوع الخطة الأمنية لأن الجيش يجب أن يملك الإمكانات والتجهيزات ليقوم بمهامه».



